قال ابن القصار: لا يجوز لأحد أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة في النكاح، وهو عندنا إجماع. وقال قوم، لا يعدون خلافًا: إنه يجوز الجمع بين تسع، واحتجوا أن معنى قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] ، يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه عليه السلام مات عن تسع، ولنا فيه الأسوة الحسنة.
وحجة الجماعة أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل قوله: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] ، أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع من وجهين: أحدهما: أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن لفظ الاختصار، وكان يقول: فانكحوا تسعًا، والعرب لا تعدل أن تقول: تسعة، وتقول: اثنان وثلاثة وأربعة، فلما قال: {مثنى وثلاث ورباع} صار تقديره: مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع، فيفيد التخيير كقوله تعالى: {أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] .
والوجه الثانى أنه قال: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ، واللغة لا تدفع التخيير بين متباعدين يكون بينهما تفاوت، ولا يجوز أن يقال: فإن خفتم ألا تعدلوا في التسع فواحدة؛ لأنه يصير بمنزلة من يقول: إن خفت أن تخرج إلى مكة على طريق الكوفة فامض إليها على طريق الأندلس أو الصعيد، وبالقرب من مكة طرق كثيرة لا يخاف منها، فعلم أنه أراد التخيير بين الواحدة والاثنين، وبين الثنتين والثلاث.
وأما قولهم: إنه عليه السلام مات عن تسع، ولنا أن نتأسى به، فإننا نقول: إنه كان مخصوصًا بالزيادة عن الأربع كما خص بأن ينكح بغير صداق، وكما خص ألا ينكح أزواجه من بعده وأنه اتفق أن مات عن تسع، وروى أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -: « اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن » ، فسقط قولهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
48 -كتاب الرضاع
21 -باب {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِى أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]
وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ