واحتج أصحاب مالك، فقالوا: جعل الله للمؤلى تربص أربعة أشهر، فهى له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل وتقدير الكوفيين للآية: فإن فاءوا فيهن، وتقدير المدنيين: فإن فاءوا بعدهن.
قال إسماعيل بن إسحاق: لا يخلو التخيير الذى جعل للمؤلى في الفىء أو الطلاق أن تكون في الأربعة الأشهر أو بعدها، فإن كان في الأربعة الأشهر فقد نقصوه من الأجل الذى ضربه الله له، وإن قالوا: بعد الأربعة الأشهر، وهو ظاهر كتاب الله صاروا إلى قولنا، وكذلك قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن} إلى {بالمعروف} [البقرة: 234] ، فلا يجوز لها أن تعمل في نفسها شيئًا بالمعروف، وهو التزويج، إلا بعد تمام الأجل الذى ضربه الله لها، وكل من أجل له أجل فلا سبيل عليه في الأجل، وإنما عليه السبيل بعد الأجل، فنحن وهم مجمعون على صاحب الدين أنه كذلك، وعلى العنيين إذا ضرب له أجل سنة أنه لا سبيل عليه قبل تقضى السنة، فإن وطئ من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه حكم العنيين وإن انقضت السنة ولم يطأ فرق بينه وبين امرأته، فكذلك المؤلى لا سبيل عليه في الأربعة الأشهر، فإن وطئ فيها من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه الإيلاء، وإن لم يطأ حتى انقضت أخذه الحاكم بالطلاق، فإن لم يطلق فرق بينهما الحاكم.
قال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ عنه العلم أن الفىء هو الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر فيجزئه فيؤه بلسانه وقلبه. وقال بعضهم: إذا أشهد على فيئه في حال العذر أجزأه.
وخالف الجماعة سعيد بن جبير، فقال: الفىء الجماع، لا عذر له إلا أن يجامع وإن كان في سفر أو في سجن، وأوجب أكثر أهل العلم الكفارة عليه إذا فاء بجماع امرأته، وروى هذا عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وهو قول النخعى، وابن سيرين، ومالك، والثورى، والكوفيين، والشافعى، وعامة العلماء.