قال المهلب: الإشارة إذا فهمت وارتفع الإشكال بها محكوم بها، وما ذكره البخارى في الأحاديث من الإشارات في الضروب المختلفة شاهدة بجواز ذلك، وأوكد الإشارات ما حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - في أمر السوداء حين قال لها: « أين الله؟ » ، فأشارت بيدها إلى السماء، فقال: « أعتقها فإنها مؤمنة » ، فأجاز الإسلام بالإشارة الذى هو أصل الديانة، الذى يحقن به الدماء ويمنع المال والحرمة، وتستحق به الجنة وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء.
روى ابن القاسم، عن مالك، أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه، وقال الشافعى في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق، وإذا أشار إشارة تعقل أو كتب لزمه الطلاق. وقال أبو ثور في إشارة الأخرس: إذا فهمت عنه تجوز عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت إشارته تعرف في طلاقه ونكاحه وبيعه، وكان ذلك منه معروفًا فهو جائز عليه، وإن شك فيه فهو باطل، وليس ذلك بقياس إنما هو استحسان، والقياس في هذا أنه كله باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته.
قال ابن المنذر: فزعم أبو حنيفة أن القياس في ذلك أنه باطل، وفى ذلك إقرار منه أنه حكم بالباطل؛ لأن القياس عنده حق، فإذا حكم بضده وهو الاستحسان فقد حكم بضد الحق، وفى إظهاره القول بالاستحسان وهو ضد القياس دفع منه للقياس الذى هو عنده حق.