ومما يدل على صحة ما قلنا، أن الحديثين وإن اختلف لفظ الجواب فيهما عن النبى، - صلى الله عليه وسلم -، في امرأة واحدة وقصة واحدة أن حديث سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تهراق الدماء فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إنما كان في قصة فاطمة بنت أبى حبيش، وأنها كانت تسأل عن حالها أبدًا بنفسها، وتبعث غيرها على السؤال رغبة في الاستثبات، وتزيد اليقين في أمرها ويدل على ذلك ما رواه الحميدى عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو أيوب السختيانى، عن سليمان بن يسار، أنه سمعه يحدث عن أم سلمة أنها قالت: كانت فاطمة بنت أبى حبيش تستحاض، فسألت النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقال: تمت إنه ليس بالحيضة، ولكنه عرق، وأمرها أن تدع الصلاة قدر أقرائها، أو قدر حيضتها، ثم تغتسل. وهذا يدل أن قدر الدم أو قدر أيام الدم واحد في المعنى، لأن القُرء اسم للدم واسم للوقت، وأن أم سلمة فهمت ذلك في جواب واحد، في مسألة واحدة.
واختلفوا في مقدار المدة التى تترك فيها المستحاضة الصلاة، فأما المبتدأة في الحيض يتمادى بها الدم، ففى رواية المدونة عن مالك أنها تقعد خمسة عشر يومًا ثم تصلى، وروى عن على بن زياد عن مالك أنها تقعد أيام لداتها، ثم هى مستحاضة.
وحكى ابن حبيب أن قول مالك اختلف فيها، فقال مرة: تقعد خمسة عشر يومًا، وأخذ به الأكابر من أصحابه: المغيرة، وابن دينار، وابن أبى حازم، ومطرف، وابن الماجشون، وابن نافع.
وقال بعد مالك: تقعد قدر أيام لداتها، وأخذ به: ابن كنانة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
قال ابن حبيب: ثم اختلفوا في الاستطهار على أيام لداتها، فقال ابن كنانة وأصبغ: تستطهر على أيام لداتها بثلاثة أيام، وقال ابن القاسم: لا تستطهر، والمعروف عن ابن القاسم خلاف ما حكاه ابن حبيب.