قال الطحاوى: وفى حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - في الجنين بغرة ولم يحكم فيه بكفارة؛ حجة لمالك وأبى حنيفة على الشافعى في إيجابه كفارة عتق رقبة على من تجب عليه الغرة ولا حجة له، ولو وجبت فيه كفارة لحكم بها - صلى الله عليه وسلم - ، والكفارة إنما تجب في إتلاف روح، ولسنا على يقين في أن الجنين كان حيا وقت ضربه أمه ولو أيقنا ذلك لوجبت فيه الدية كاملة، فلما أمكن أن يكون حيا تجب فيه الدية كاملة، وأمكن أن يكون ميتًا لا يجب فيه شىء؛ قطع النبى - صلى الله عليه وسلم - التنازع والخصام بأن جعل فيه غرة عبدًا أو أمة، ولم يجعل فيه كفارة. قاله ابن القصار.
وفى هذا الحديث حجة لمن أوجب دية شبه العمد على العاقلة، وهو قول الثورى والكوفيين والشافعى. قالوا: من قتل إنسانًا بعصىً أو حجر أو شبهه، مما يمكن أن يموت به القتيل، ويمكن ألا يموت فمات من ذلك أن فيه الدية على عاقلة القاتل كما حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - في هذه القضية بدية المرأة على عاقلة القاتلة، قالوا: وهذا شبه العمد، والدية فيه مغلظة ولا قود فيه.
وأنكر مالك والليث شبه العمد وقال مالك: هو باطل فكل ما عمد به القتل فهو عمد، وفيه القود.
والحجة لهم ما روى أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر « أنه نشد الناس: ما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين؟ فقام حمل ابن مالك، فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرة وأن تقتل المرأة » .
قالوا: وهذا مذهب عمر بن الخطاب، روى عنه أنه قال: يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل أكلة اللحم، قال الحجاج: يعنى العصا، ثم يقول: لا قود علىَّ، لا أوتى بأحدٍ فعل ذلك إلا أقدته.