واختلف قول الشافعى، فقال مثل قول مالك، وقال: لا يعدل عن الماء إلا أن يخاف التلف، وقد روى عن مالك مثل هذا.
وقال عطاء، والحسن البصرى، في رواية: لا يستباح التيمم بالمرض أصلًا، وكرهه طاوس، وإنما يجوز للمريض التيمم عند عدم الماء، فأما مع وجوده فلا، وهو قول أبى يوسف، ومحمد.
والدليل لجواز التيمم، وإن لم يخف التلف ما احتج به أبو موسى على ابن مسعود من قوله تعالى: {فلم تجدوا ماءً} [النساء: 43، المائدة: 6] ، ولم يفرق بين مرض التلف، أو مرض يخاف زيادته، فهو عام في كل مرض إلا أن يقوم دليل.
وأما قصة عمرو بن العاص: تمت فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولاه غزوة ذات السلاسل، فاحتلم في ليلة باردة، فقال: إن اغتسلت هلكت، فتيمم وصلى بالناس، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: صليت بالناس وأنت جنب؟ فقال: سمعت الله يقول: {ولا تقلتوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا} [النساء: 29] ، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئًا - .
ففى هذا الخبر فوائد: منها: جواز التيمم للخائف من استعمال الماء.
والثانية: جواز التيمم للجنب، بخلاف ما روى عن عمر، وابن مسعود.
والثالثة: جواز التيمم لأهل البرد.
والرابعة: أن المتيمم يصلى بالمتطهرين.
وأيضًا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة، ولا تقف على خوف التلف، كالفطر، وترك القيام في الصلاة، فإن المريض يفطر إذا شق عليه الصوم، ولا يقال له: لا تفطر حتى تخاف التلف، وكذلك المضطر إلى أكل الميتة، إذا لحقه الجوع الشديد، وإن لم يخف التلف.
وأجمع الفقهاء أن المسافر إذا كان معه ماء وخاف العطش أنه يُبقى ماءه للشرب ويتيمم.
وأجمعوا أن الجنب يجوز له التيمم، إلا ما روى عن عمر، وابن مسعود أنهما لا يجيزان التيمم للجنب، لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} [المائدة: 6] ، وقوله: {ولا جنبًا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ، وقد روى مثل هذا عن ابن عمر، واختلف فيه عن علىّ.