فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 6439

قال المؤلف: تفاضل المؤمنين في أعمالهم لا شك فيه، وأن الذى خرج من النار بما في قلبه من مقدار حبة من خردل من إيمان معلوم أنه كان ممن انتهك المحارم وارتكب الكبائر، ولم تفِ طاعته لله عند الموازنة بمعاصيه.

ومن أطاع الله وقام بما وَجَبَ عليه وبرئ من مظالم العباد فلا شك أن عمله أفضل من عمل الرجل المنتهك.

وقد مَثَّل ذلك - صلى الله عليه وسلم - بالقمص التى كانت تبلغ الثدى، وبقميص عمر الذى كان يجرُّه، ومعلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثدييه.

فإيمانه أفضل من إيمانه بما زاد عليه من العمل، وتأويله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بالدين يدل أن الإيمان الواقع على العمل يُسمى دينًا، كالإيمان الواقع على القول.

وهذا يرد قول أهل البدع الذين يزعمون أن إيمان المذنبين كإيمان جبريل، وأنه لا تفاضل في الإيمان، وقولهم غلط لا يخفى، لأن الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وسائر الخلق يملُّون ويفترون.

فكيف يبلغ أحدٌ منهم منزلتهم في العمل، وفى كتاب الله حجةٌ لتفاضل المؤمنين في الإيمان، وذلك أن إبراهيم سأل ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى، فطلب المعاينة التى هى أعلى منازل العلم التى تسكن النفوس إليها، وتقع الطمأنينة بها، ولا يجوز أن نظن بإبراهيم خليل الله ونبيه أنه حين سأل المعاينة لم يكن مؤمنًا، أو أنه اعترضه شك في إيمانه.

والدليل على صحة هذا قوله لربه حين قال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} [البقرة: 260] ، فأوجب لنفسه الإيمان قبل أن يعاين ما طلب معاينته، وعَذَرَهُ الله تعالى في طلب ذلك، لأن المعاينة أشفى ويهجم على النفوس منها ما لا يهجم من الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت