ففيه أنه لا ينبغى التعرى للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشى عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رُخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراةً.
قال الطبرى: وقد حدثنا ابن حميد، عن هارون بن المغيرة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن العباس بن عبد المطلب، وذكر الحديث وقال فيه: أنه لما سقط النبى - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى السماء وأخذ إزاره، وقال: « نُهيت عن أن أمشى عريانًا » ، فقلت: « اكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون » .
فدل هذا الحديث أنه لا يجوز التعرى في الخلوة ولا لأعين الناس.
وقيل: إنما مخرج القول منه لذلك الحال التى كان عليها، فحيث كانت قريش نساؤها ورجالها تنقل معه الحجارة، فقال: « نهيت أن أمشى عريانًا » ، في مثل هذه الحالة ولو كان ذلك نهيًا من الله له عن التعرى في كل مكان لكان قد نهاه عن التعرى للغسل من الجنابة في الموضع الذى قد أمن أن يراه فيه أحد إلا الله، إذ كان المغتسل لا يجد بدًا من التعرى، ولكنه نُهى عن التعرى بحيث يراه أحد.
وفى نهيه عليه السلام، عن المشى عريانًا بيان أنه لا يجوز القعود عريانًا في موضع يكون معناه معنى الموضع الذى نهى فيه عن المشى عريانًا، وذلك القعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته؛ فكان القعود عريانًا في معنى المشى عريانًا، ولذلك نهى النبى عن دخول الحمام بغير إزار.
فإن قيل: فما أنت قائل في حديث القاسم، عن أبى أمامة، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال: « لو استطيع أن أوارى عورتى من شعارى لواريتُها » ، وفى قول على بن أبى طالب، رضى الله عنه: « إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك » ، وفى قول أبى مجلز قال: قال أبو موسى الأشعرى: « إنى لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صُلبى حياءً من ربى » .