/28 - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّبِىّ - صلى الله عليه وسلم -: « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِى يَدَىَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقِطَعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا، فَأُذِنَ لِى فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا: كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ » . قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ: أَحَدُهُمَا الْعَنْسِى الَّذِى قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ بِالْيَمَنِ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ.
قال المهلب: هذه الرؤيا ليست على وجهها، وإنما هى على ضرب المثل، وإنما أولهما النبى بالكذابين؛ لأن الكذب إنما هو الإخبارعن الشىء بخلاف ما هو به ووضعه في غير موضوعه، فلما رآهما في ذراعيه وليسا موضعًا للسوارين؛ لأنهما ليسا من حلية الرجال علم أنه سيقضى على يدى النبى - يعنى على أوامره ونواهيه - من يدعى ما ليس له، كما وضعا حيث ليس لهما، وكونهما من ذهب، والذهب منهى عنه في الدين دليل على الكذب من وجوه: أحدها: وضع الشىء غير موضوعه. والثانى: كون الذهب مستعملًا في الرجال وهو منهى عنه والذهب مشتق منه الذهاب، فعلم أنه شىء يذهب عنه ولايبقى، ثم وكد له الأمر فأذن له في نفخهما فطارًا عباره أنهما لايثبت لهما أمر، وأن كلامه عليه السلام بالوحى الذى جاءه به يزيلهما الذى قاما فيه، والنفخ دليل على الكلام. وقال الكرمانى: من رأى أنه يطير بين السما والأرض أو من مكان إلى مكان فإن كانت من الأضغاث فإنه كثير التمنى والفكر والاغترار بالأمانى، وإن كانت رؤيا صحيحة وكان يطير في عرض السما فإنه يسافر سفرًا بعيدًا وينال رفعة « بقدر ما استقل من الأرض في طيرانه، فإن طار إلى السماء مستويا لا يتعرج ناله ضر، فإن وصل إلى السماء بلغ الغاية في ضره، فإن غاب فيها ولم يرجع مات، وإن رجع إلى الأرض أفاق » . وقال ابن أبى طالب العابر: وإن كان ذلك بجناح فقد يكون جناحه مالا ينهض به أو سلطانًا يسافر تحت كنفه، فإن كان بغير جناح دل على التغرير فيما يدخل فيه.