فنقول: الفتنة في كلام العرب الابتلاء والاختبار، فقد يكون ذلك بالشدّة والرخاء والطاعة والمعصية، وكان حقًا على المسلمين إقامة الحق ونصرة أهله، وإنكار المنكر والأخذ على أيدى أهله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [الحج: 41] كان معلومًا أن من أعان في الفتنة فريق الحق على فريق الباطل فهو مصيب أمر الله تعالى ومن أنكر ما قلناه قيل له: أرأيت المفتئتين. الملتمسين ولاية أمر الأمة في حال لا إمام لهم يقيم عليهم الحق هل خلوا عندك من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون كلاهما محقين أو كلاهما مبطلين أو أحدهما محقًا والآخر مبطلا؟ فإن قال: نعم. قيل له: أو ليس الفريقان إذا كانوا مبطلين حق على المسلمين الأخذ على أيديهما إن قدروا على ذلك، وإن لم تكن لهم طاقة؛ فكراهة أمرهما والقعود عنهما وترك معونة أحدهما على الآخر فقد أوجب معونة الظالم على ظلمه، وذلك خلاف حكم الله. وإن قال: بل الواجب عليهم ترك الفريقين يقتتلون واعتزالهما، أباح للمسلمين ترك إنكار المنكر وهم على ذلك قادرون، وسئل عن رجل غصب امرأة نفسها للفجور بها على أعين الناس وهم على منعه قادرون، هل يجوز لهم تركه؟ فإن أجاز ذلك لم يمكن خصمه الإبانة عن خطأ قوله بأكثر من ذلك، فإن أوجب منعه والأخذ على يده، قيل له: فما الفرق بينه وبين من رآه يريد قتل رجل ظلمًا وعدوانًا، وما الذى أوجب عليهم منع ذلك ظاهرًا وأباح لهم ترك من يريد قتل النفس التى حرمها الله؟ ويقال له: أرأيت إن كان أحد الفريقين محقًا والآخر مبطلًا أيجب على المسلمين معونة المحق على المبطل؟ فإن قال: لا أوجب ترك الساعى في الأرض بالفساد، وهذا خلاف قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية. فإن قال: تجب معونة المحق على المبطل، أوجب قتال الفرقة الباغية.