فهرس الكتاب

الصفحة 5726 من 6439

وأما الحالة الثالثة فإنها حالة ممتنع في العقل وجودها، وذلك حال حرب فريقين من المسلمين يقتلان وهما جميعًا محقان في ذلك، ولو جاز أن يكون كل واحد منهما مصيب حقيقة حكم الله في ذلك لجاز أن يكون الشىء الواحد بحكم الله حلالًا وحرامًا في حالة واحدة وشخص واحد، وهذا ما لا يجوز أن يوصف به تعالى.

فإن قيل: فما تنكر أن يكون الفريقان المقتتلان مصيبين في قتال كل واحد منهما صاحبه حقيقة حكم الله إذا كان قتالهما في وجهة التأويل لا من وجهة الخلاف للنصّ الذى لا يحتمل التأويل، فقد علمت قول من قال باجتهاد الرأى فيما لا نصّ فيه من أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله في الحادثة على كل مجتهد ما أداهُ إليه اجتهاده، وأنه لا خطأ في شىء من ذلك.

صحة ذلك بما يكون من الصحابة، رضوان الله عليهم، فيما لا نص فيه الله وللرسول من الاختلاف بينهم، ثم لم يظهر واحد منهم لصاحبه البراء ولا الخروج من ولايته، قال: فكذلك الفريقان المقتتلان إذا كانا كلاهما طالبى الحق عند أنفسهما ورأى كل واحد منهما أنه محق كالمختلفين من أصحاب رسول الله.

قيل له: أما قول من قال: كل مجتهد وإن كان غير مصيب في خطئه حكم الله الذى طلبه فأضله فقد أخطأ، وذلك كالملتمس عين القبلة للصلاة إليها في يوم دخن في فلاة من الأرض بالدلائل غير موجب له التماسه إياها، وقد أخطأها أن يكون مصيبًا في طلب جهتها، فكذلك المقتتلان على التأويل الذى يعذر فيه المخطئ؛ إذا أخطأ أحدهما حكم الله في قتاله الفريق المصيب حكم الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت