فهرس الكتاب

الصفحة 5728 من 6439

وأما المنزلة الثالثة: فأن يكون مخرج الكلام من رسول الله في ذلك كان في خاص من الناس على ما روى عن عمار بن ياسر أنه قال لأبى موسى حين روى عن النبى أنه قال: « إذا وقعت الفتنة فاضربوا سيوفكم بالحجارة... » الحديث فقال له عمار: أنشدك الله يا أبا موسى قال هذا رسول الله لك أنت خاصةً؟ قال: نعم. ولو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين الفريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل وكسر السيوف؛ لما أقيم لله تعالى حق ولا أبطل باطل، ولو وجد أهل النفاق والفجور سبيلا إلى استحلال كل ما حرّم الله عليهم من أموال المسلمين ونسائهم، وسفك دمائهم بأن يتحزبوا عليهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة قد نهينا عن القتال فيها، وأمرنا بكفّ الأيدى والهرب منها.

وذلك مخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « خذوا على أيدى سفهائكم » ولقوله: « مثل القائم والمنتهك والمدهن في حدود الله مثل ثلاثة نفر اصطحبوا في سفينة، فقال أحدهم: نحفر لنأخذ الماء وقال الأخر: دعه فإنما يحفر مكانه. فإن أخذوا على يده نجا ونجوا جميعًا... » الحديث.

فإن قال قائل: فإنك قد ذكرت أنه لا فتنة تخلو من الأسباب الثلاثة، ثم أوجبت في جميعها على أهل البصائر بالحق النهوض مع أهله على أهل الباطل لقمعه، وقد علمت أنه لا فتنة كانت ولا تكون منذ بعث الله نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أفضل أهلا ولا أقوم بالحق ولا أطلب له من قوم نهضوا فيها بعد مقتل عثمان فإنهم كانوا أهل السابقة والهجرة وخيار الأمة، ولم تكن فتنة يرجى بالنهوض لمعونة أحد فريقيها على الآخر ما كان يرجى فيها لو كان النهوض في فتن المسلمين جائزًا، وقد علمت من تثبط عن النهوض فيها، ونهى عن المشى إليها وأمر بالجلوس عنها من جلة الصحابة كسعد وأسامة ومحمد بن مسلمة وأبى مسعود الأنصارى وابن عمر وأبى موسى وغيرهم يكثر إحصاؤهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت