قال الطبرى: قد اختلف السلف قبلنا في تأويل هذا الحديث فقال بعضهم: إنما عنى النبى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: « كلمة حق عند سلطان جائر » إذا أمن على نفسه القتل أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به، هذا مذهب أسامة بن زيد، وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة، وروى عن مطرف بن الشخير أنه قال: والله لو لم يكن لى دين حتى أقوم إلى رجل معه ألف سيف فأنبذ إليه كلمة فيقتلنى إن دينى إذًا لضيق.
وقال آخرون: الواجبُ على من رأى منكرًا من ذى سلطان أن ينكره علانيةً وكيف أمكنه، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وأبىّ بن كعب، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان » وبقوله: « إذا هابت أمتى أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم » .
وقال آخرون: من رأى من سلطانه منكرًا فالواجب عليه أن ينكره بقلبه دون لسانه، واحتجوا بحديث أم سلمة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « يستعمل عليكم أمراء بعدى، تعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع، قالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا » .
قال الطبرى: والصّواب: أن الواجب على كل من رأى منكرًا أن ينكره إذا لم يخف على نفسه عقوبة لا قبل له بها؛ لورود الأخبار عن النبى - صلى الله عليه وسلم - بالسمع والطاعة للأئمة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه. قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق » .
فإن قال قائل في حديث أسامة: فكيف صار الذين كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر معه في النار وهو لهم بالمعروف آمر، وعن المنكر ناهٍ؟ قيل: لم يكونوا أهل طاعة، وإنما كانوا أهل معصية. وأما حديث أبى بكرة فإن في ظاهره توهية لرأى عائشة في الخروج.