قال المهلب: وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبى بكرة أنه كان على رأى عائشة وعلى الخروج معها، ولم يكن خروجها على نيّة القتال، وإنما قيل لها: اخرجى لتصلحى بين الناس فإنك أمهم ولم يعقوك بقتال. فخرجت لذلك، وكان نية بعض أصحابها إن ثبت لهم البغى أن يقاتلوا التى تبغى، وكان منهم أبو بكرة ولم يرجع عن هذا الرأى أصلا وإنما تشاءم بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تمليك فارس امرأة أنهم يغلبون، لأن الفلاح في اللغة البقاء؛ لا أن أبا بكرة وهّن رأى عائشة، ولا في الإسلام أحد يقوله إلا الشيعة، فلم يرد أبو بكرة بكلامه إلا أنهم يغلبون إن قوتلوا، وليس الغلبة بدلالة على أنهم على باطل؛ لأن أهل الحق قد يُغلبون، وتكون لهم العاقبة كما وعد الله المتقين، وذلك عيان في أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وأحد، وجعل الله لهم العاقبة، كما جعلها لمن غضب لعثمان وأنف من قتله وطلب دمه، وليس في الإسلام أحد يقول: إن عائشة دعت إلى أمير معها، ولا عارضت عليًا في الخلافة، ولا نازعته لأخذ الإمارة، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة عثمان، وتركهم دون أن يأخذ منهم حدود الله ودون أن يقتصّ لعثمان منهم، لا غير ذلك، فهم الذين خشوها وخشوا على أنفسهم فورّشوا ودسوا في جمع عائشة من يقول لهم: إن عليا يقاتلكم فخذوا حذركم وشكوا سلاحكم وعبئوا حربكم، وقالوا لعلى: إنهم يريدون أن يخلعوك ويقاتلوك على الإمارة، ثم استشهدوا بما يرونه من أخذ أصحاب الجمل بالحزم وتعبئتهم الصفوف وحمل السلاح ثم يقولون له: هل يفعلون ذلك إلا لقتالك حتى حرّكوه، وكانوا أول من رمى فيهم بالسّهام وضربوا بالسيوف والرماح حتى اشتبك القتال ووقع ما راموه، وكان في ذلك خلاصهم مما خشوه من اجتماع الفريقين على الاستقادة لعثمان منهم، هذا أحسن ما قيل في ذلك.