وفيه: كرم رسول الله وزهده في الدنيا وأنه لم يمنع شيئًا سُئله إذا كان عنده.
وفيه: أن للسلطان أن يرتفع عما يدعى إليه من المهنة والعمل بيده، وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن للسلطان في ذلك حاجة، وإن كان فيه نفع لخاصة من الناس إذا كان فيه ضرر لعامتهم.
قال المؤلف: وإنما لم يأمر برفع المال على عنق العباس، والله أعلم، ليزجره ذلك عن الاستكثار في المال الذى ظهر منه، وألا يأخذ من الدنيا فوق حاجته ويقتصر على ما يبلغ منها المحل، كما كان يفعله عليه السلام، ولهذا لم يرفعه على عنقه لئلا يعينه على ما لا يرضاه وما نهى عنه.
37 -باب مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ
(1) - عن أنس بن مالك - رضى الله عنه: قال: قال أبو طلحة لأم سُليم: « قد سَمِعْتُ صوتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفا، أعرِفُ فيه الجوع، فهل عندكِ من شيء ؟ فقالت: نعم، فأخرجَتْ أقراصا من شعير، ثم أخَذَتْ خِمارا لها، فلفَّتِ الخبز ببعضه، ثم دسّتْهُ تحت ثوبى، وردّتْنِى ببعض ثوبه ثم أرسلَتْنِى إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: فذهبتُ به، فوجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرسلك أبو طلحة ؟ قلت: نعم، قال: أَلِطَعَام ؟ قلت: نعم.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لمن معه: قوموا. فانطلقوا، وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طلحة، فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، وليس عندنا ما نُطْعِمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لَقِى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه، حتى دخلا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هَلُمِّى ما عِنْدَكِ يا أم سليم. فأتت بذلك الخبز، فأمَرَ به رسولُ الله فَفُتّ، وعَصَرَتْ عليه أم سليم عُكَّة لها، فآدَمَتْه، ثم قال فيه رسول الله ما شاء الله أن يقول.=
=ثم قال: ائذن لعشرة، فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة. حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون - أو قال: ثمانون » . أخرجه البخارى، ومسلم.
وللبخارى نحوه: « أن أم سُليم عَمَدت إِلى مُدّ من شعير، جَشَّتْهُ وجعلت منه خَطيفة، وعصرت عليه عُكَّة، ثم بعثتنى إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في أصحابه، فدعوتُه، فقال: ومن معى، فجئت، فقلت: إِنه يقول: وَمَنْ معى، فخرج إِليه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إنما هو شيء صَنَعَتْهُ لك أم سليم، فدخل، فجيء به، وقال: أدخِلْ على عشرة - حتى عدّ أربعين - ثم أكل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قام، فجعلت أنظر: هل نقص منها شيء ؟ » .
ولمسلم قال: « بعثنى أبو طلحة إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأدعوه، وقد جعل طعاما، قال: فأقبلت، ورسول الله مع الناس، فنظر إِلى، فاستحييت، فقلت: أجِبْ أبا طلحة، فقال للناس: قوموا، فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعت لك شيئا، فمسّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: أدخل نفرا من أصحابى عشرة، وقال: كلوا، وأخرج لهم شيئا من بين أصابعه، فأكلوا حتى شبعوا، فخرجوا، فقال: أدخل عشرة، فأكلوا حتى خرجوا، فما زال يُدْخِلْ عشرة، ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إِلا دخل فأكل، حتى شبع، ثم هيأها، فإِذا هى مثلها حين أكلوا » .
وفى أخرى نحوه، وفى آخره: « ثم أخذ ما بقى، فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة قال: فعاد كما كان، فقال: دونكم هذا » .
وفى أخرى قال: « أمر أبو طلحة أمَّ سليم أن تصنع للنبى - صلى الله عليه وسلم - طعاما لنفسه خاصة، ثم أرسلتنى إِليه - وساق الحديث - وقال فيه: فوضع النبى - صلى الله عليه وسلم - يده،وسمَّى عليه، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فدخلوا، فقال: كلوا وسمُّوا الله، فأكلوا، حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك وأهلُ البيت، وتركوا سُؤرا » .
وفى أخرى بهذه القصة، وفيه: « فقام أبو طلحة على الباب، حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: يا رسول الله، إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هَلُمَّه، فإن الله سيجعل فيه البركة » .
وفى أخرى بنحو هذا، وفيه: « ثم أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكل أهل البيت، ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم » .
وفى أخرى قال: « رأى أبو طلحة رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعا في المسجد، يَتَقَلَّب ظَهْرا لبطن. فظنه جائعا - وساق الحديث - وقال فيه: ثم أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو طلحة، وأمُّ سُليم، وأنس. وفَضَلَتْ فَضْلة فأَهْدَوْا لجيراننا » .
وفى أخرى: أنه سمع أنس بن مالك يقول: « جئتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يوما. فوجدته جالسا مع أصحابه. وقد عَصَّبَ بطنه بعصابة - قال أسامة بن زيد: وأنا أشُكُّ: على حجر - قال: فقلت لبعض أصحابه: لِمَ عَصّبَ رسول الله بطنه؟ فقالوا: من الجوع.
فذهبت إِلى أبى طلحة - وهو زوج أم سليم بنت مِلْحان - فقلت: يا أبتاه، قد رأيتُ رسولَ الله= = - صلى الله عليه وسلم - عَصّبَ بطنه بعصابة. فسألتُ بعض أصحابه ؟ فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة على أمّى. فقال: هل من شيء ؟ فقالت: نعم. عندى كِسَر من خبز وتمرات. فإن جاءنا رسول الله وحده أشبعناه، وإن جاءنا آخر معه قَلَّ عنهم » . ثم ذكر سائر الحديث.
وأخرج الموطأ، والترمذى، الرواية الأولى، إِلا أن الموطأ قال: « ائذن لعشرة - ست مرات » .
أخرجه مالك « الموطأ » صفحة (577) . وعبد بن حميد (8371) قال: حدثنا روح بن عبادة. والبخارى (1/115) و (4/234) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف. وفى (7/89) قال: حدثنا إسماعيل. وفى (8/174) قال: حدثنا قتيبة. ومسلم (6/118) قال: حدثنا يحيى بن يحيى. والترمذى (3630) قال: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، قال: حدثنا معن. والنسائى في الكبرى « تحفة الأشراف » (200) عن قتيبة.
ستتهم - روح، وابن يوسف، وإسماعيل، وقتيبة، ويحيى، ومعن - عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، فذكره.