وقال يحيى بن آدم: ليس العلة عندى هذه، وإنما هى لما يخاف من وثوبها، وعطب من تلاقى حينئذٍ، ألا تراه يقول: « فإنها جن خلقت من جنّ » ، وقال في حديث رافع بن خديج: « إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش » ، وهذا غير مخوف من الغنم، فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك لا لنجاسة، وقد ثبت حديث ابن عمر أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم -: « كان يصلى إلى بعيره » ، فعلم بذلك أنه لم ينه عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأنه لا تجوز الصلاة بحذائها، واحتمل أن تكون الكراهية لعلة ما يكون في معاطنها من أرواثها وأبوالها، فنظرنا في ذلك، فرأينا مرابض الغنم كل قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وكان حكم أبوال الإبل وأرواثها كحكم أبوال الغنم وأرواثها لا فرق بين ذلك في نجاسة وطهارة؛ لأن من جعل أبوال الإبل طاهرة جعل أبوال الغنم كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، فلما أبيحت الصلاة في مرابض الغنم في الحديث الذى نهى فيه عن الصلاة في أعطان الإبل ثبت أن النهى عن ذلك ليس العلة نجاسة ما يكون منها، فإن كان لما قاله شريك، فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول عطنًا كان أو غيره، وإن كان لما قاله يحيى، فإن الصلاة مكروهة بحيث يخاف على النفوس، عطنًا كان أو غيره، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما من طريق النظر، فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في الإبل، فرأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها، فكان يجىء في حكم النظر أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل كهو في مواضع الغنم قياسًا ونظرًا، وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد.
45 -باب مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ، فَأَرَادَ بِهِ وجه اللَّهَ
وَقَالَ أَنَسُ قَالَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم -: عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي.