قال أبو الزناد: ولم يُرد النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنفاق المذكور في هذين الحديثين النفاق الذى صاحبه في الدرك الأسفل من النار، الذى هو أشد الكفر، وإنما أراد أنها خصال تشبه معنى النفاق، لأن النفاق في اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن، وهذا المعنى موجود في الكذب، وخلف الوعد، والخيانة.
فإن قيل: قد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو: تمت كان منافقًا خالصًا - .
قيل: معناه خالصًا في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقطـ، لا في غيرها، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48] .
وقد ثبت عن الرسول أنه يخرج مِن النار مَن في قلبه مثقال حَبَّة من خردل من إيمان.
قال المهلب: والمراد بالحديث، والله أعلم، من يكون الكذب غالبًا على كلامه، ومستوليًا على حديثه، والخيانة على أمانته، والخلف على مواعيده، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدلالة.
وأمّا من كان الكذب على حديثه نادرًا في خبره تافهًا، والخيانة في أمانته شاذة يدعى العذر فيها، والخلف في أوعاده، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا يقضى عليه بالنادر اليسير، إذ لا يمكن أن يسلم أحدٌ من كذب.
وقد سُئل مالك بن أنس، عمن جُرب عليه كذب، قال: أى نوع من الكذب، لعله إذا حدَّث، عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو أخبر عَمَّا رآه في سفره، أعيا في خبره وأسرف، فهذا لا يضره، وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هى عليه عامدًا للكذب.
وكذلك الخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة إذا كانت شاذة يدعى فيها العُذر.
وذلك مغتفر له غير محكوم عليه في انفاق أو سوء معتقد، وقد جُرَّب على من سلف من الأئمة بعض ذلك، فلم يضرهم، لأنه كان نادرًا.
هذا وجه الحديث إن شاء الله.