فهرس الكتاب
ومثال الجمع بحمل كل من المتعارضين على معنى: حديث"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"مع حديث"من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر"قال الجمهور:"يفهم من تفضيله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الجماعة على صلاة الفذ إثبات فضيلة لها، ومن إثبات فضيلة لها إثبات الإجزاء فيحمل حديث لا صلاة الخ على نفي الكمال لا نفي الإجزاء". قلت: وكفى بالعبد خسارة أن يضيع سبعة وعشرين ضعفًا متفقًا عليها ويختار لنفسه درجة واحدة مختلفًا في ثبوتها ، ثم قد يغتنم الشيطان وحدته فيستحوذ عليه فيخرجها عن وقتها أو يتركها بالكلية فإن الذئب إنما يأخذ من الإبل القاصية عياذًا بالله من ذلك ، ومثال الجمع بحمل أحد المتعارضين على شخص والآخر على آخر: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: أي الصدقة أفضل قال:"جهد المقل وابدأ بمن تعول"رَوَاهُ أحمد وأبوداود وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان . مع قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث حكيم بن حزام:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"متفق عليه ، قال البيهقي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:"وجه الجمع بين هذين الحديثين أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية"ا هـ . وكثيرا ما كان الشارع - صلى الله عليه وسلم - يلاحظ أحوال الناس ويعتبرها في القوة والضعف ويعلمهم التكاليف ويبينها لهم على حسب ذلك كما في حديث أبي داود: أنه - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل فسأله عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله: فنهاه"فإذا الذي رخص له: شيخ ، والذي نهاه: شاب ، ففهمنا الدلالة من الحديث بتلك القرينة وأن الرخصة لمن يملك نفسه كالشيخ لأن الغالب عليه انكسار شهوته فيملك إربه ولا يخشى عليه الفتنة ، والنهي لمن لا يملك نفسه كذلك الشاب لأن الغالب عليه هيجان الشهوة وعنفوان الشباب فلا يملك نفسه فيخاف عليه الوقوع في المحذور ."