فهرس الكتاب
وكذلك لم يزل يحرك راحلته في الطريق الوسطى إلى أن هبط في الوادي الذي تجاه جمرة العقبة، فقام والكعبة على يساره ومنى على يمينه، ورمى الجمار سبعًا وهو راكب، واحدة بعد واحدة في محل الجمرات يكبر مع كل واحدة، وبعد رمي الجمار قطع التلبية وفي ركابه أسامة بن زيد وبلال، أحدهما آخذ بزمام الراحلة والآخر يظله بمظلة ليقيه حر الشمس، ثم رجع إلى منزله بالقرب من مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبوية التي أعلم فيها بحرمة يوم النحر وفضله عند الله سبحانه وتعالى، وأمرهم بتعلم مناسك الحج، وقال صلى الله عليه وسلم لعلي:"لا أحج بعد عامي هذا". وأمر بالسمع والطاعة للأمراء الداعين إلى كتاب الله، وأنزل الأنصار والمهاجرين منازلهم، وقال:"لا تكفروا بعدي بضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ومن جنى جناية فعلى نفسه"، وقال"اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا إذا أمركم، تدخلو جنة ربكم".
وودع الناس، وقال:"ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، ثم سار إلى المنحر - وهو موضع مشهور في وسط سوق منى - ونحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، وهن قيام معقولات، وهذا عدد سني عمره المبارك، وأمر أمير المؤمنين عليًا بنحر تمام المائة، فنحر
الصفحة (( 136 ) )
سبعًا وثلاثين، وأمره أن يتصدق بجلالها وجلودها، وأن لا يعطي أجرة الجزار منها، بل من ماله صلى الله عليه وسلم.
(وأما) من حديث أنس أنه نحر سبعًا، فتوهم بعضهم أنه معارض لهذا الحديث، وجوابه أن أنسًا شاهد سبعًا، ثم غاب، وجابر شاهد تمام ثلاث وستين.
وقال بعضهم: نحر سبعًا بيده المباركة إلى تمام ثلاث وستين كان طرف الحربة بيد النبي صلى الله عليه وسلم وطرفها الآخر بيد علي، وبعد ثلاث وستين نحر أمير المؤمنين سبعًا وثلاثين على انفراده.