فهرس الكتاب
كان له صلى الله عليه وسلم في كل يوم وظيفة معينة يتلوها لا يتركها أبدًا إلا لضرورة، وكان يقرأ مرتلًا مفسرًا مبينًا حرفًا حرفًا، ويقف عند آخر كل آية، ويتمم المد في حروف المد، كالمد في"الرحمن الرحيم"، فإنه كان يتمم المد في كلٍ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في أول القراءة:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"وفي بعض الأوقات يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه"، وكان يحب سماع القرآن من الغير. وأمر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - أن يقرأ عليه القرآن، فلما أخذ في القراءة استمع له صلى الله عليه وسلم وأخذ في الخشوع والتضرع والبكاء حتى جرى ماء عينيه.
وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال قائمًا وقاعدًا ونائمًا متوضئًا وغير متوضئ، ولم يكن يمنعه شيء من قراءة القرآن غير الجنابة، وكان يتغنى بالقرآن في بعض الأوقات، ويرجع في ذلك كما يفعله من الحفاظ من كان حسن الصوت، وكذا قراءة سورة
الصفحة (( 94 ) )
الفتح في يوم فتح مكة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:"زينوا القرآن بالأصوات الحسنة"وقال:"من لم يتغن بالقرآن فليس منا"قيل لراوي الحديث: فإن كان شخص لا يحسن ذلك، قال: يبذل طاقته فيما استطاع من تحسين القراءة.
وينبغي أن يعلم أن التطريب والتغني على نوعين: نوع تقتضيه الطبيعة وتسمح به من غير تكلف، وهو لا يحتاج إلى تمرين وتعليم، بل لو خلي شخص وطبعه لصدر منه ذلك التطريب والتلحين وهذا النوع جائز بالإِجماع، ولو أعانته الطبيعة على زيادة تحسين وتزيين كما قال أبو موسى الأشعري لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو علمت أنك تسمع، لحبرته لك تحبيرًا"يعني: لو كنت أعلم أنك تستمع قراءتي لأتممت التزيين والتحسين.