فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 209

وأول الإِحسان إلى الميت أنه كان يأمر بتجهيزه نحو آخرته على أحسن الأحوال وأفضل الصفات، ثم يقف صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه صفًا، يستغفرون للميت ويطلبون له الرحمة من حضرة ذي العزة، ثم يسيرون معه إلى مدفنه، ويقوم هو وأصحابه على قبره يدعون له، ويسألون له التثبيت والرحمة عند أشد مايكون محتاجًا إليها، ثم لا يزال يتعهد قبره ويخصه بالدعاء الذي يستوجب الروح والراحة والمغفرة والرحمة، وكان يعوده قبل موته، ويذكره الآخرة ويأمره بالتوبة والوصية، ويأمر من حضر مريضًا مشرفاُ أن يلقنه الشهادة ليكون آخر كلامه كلمة التوحيد.

وكان يمنع من عادات أمم الضلال الذين لا يؤمنون بالبعث والنشر بحال، وينهى عن لطم الخدود وشق الجيوب وحلق الرأس وأمثال ذلك، ويردع عليه ردعًا بليغًا، ويأمر بالحمد والاسترجاع والرضا، ولا ينهى عن جري الدمع وحزن القلب، ومع أنه كان أرضى الخلق لقضاء الحق، وأشكرهم وأصبرهم؛ أجرى الدمع وبكى لما توفي ولده إبراهيم وعمره سنتان، وقال:"تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

الصفحة (( 98 ) )

وكان من كمال عاداته النبوية أن يأمر بتجهيز الميت وتطهيره وتنظيفه ودفنه بسرعة، وأن يكفن في ثياب بيض. وكانت الصحابة مدة إذا احتضر شخص وأشرف على الموت، دعوا حضرة صاحب الرسالة فحضر صلى الله عليه وسلم هناك إلى أن يتوفى ويجهزه ويصلي عليه ويشيعه إلى القبر، فلما رأت الصحابة ما في ذلك من المشقة اقتصروا على أن يعلموه بعد وفاة الشخص ليحضر التجهيز والصلاة والدفن، ثم رأوا أن هذا لا يخلو من مشقة، فكانوا يجهزون الميت ويحملونه إليه صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه حينًا بالمسجد وحينًا خارجه وكلاهما يجوز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت