فهرس الكتاب
وأما صدقة التطوع فإنه كان يحبها حبًا شديدًا، وكان يسر بأدائها أشد من سرور الفقير بأخذها، وكان لا يستكثر ما يصرفه في طريق الحق بل يحسبه قليلًا، وما سأله أحد شيئًا حاضرًا إلا أجابه، ولم يعده كثيرًا قل أو جل، وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، ولا يبالي بالعدم، وإذا رأى محتاجًا آثره بطعامه وشرابه، وكان يتنوع في العطاء والصدقة، فحينًا يهب وحينًا يتصدق، وحينًا يهدي، وحينًا يشتري شيئًا ويدفع ثمنه ثم يهبه لبائعه، وحينًا كان يقترض ويؤدي أكثر من المبلغ، وحينًا كان يشتري شيئًا ويؤدي أكثر من الثمن، وحينًا كان يقبل الهدية وينعم بأضعافها، وكان الغرض إيصال أنواع الإِحسان إِلى الخلق مهما أمكن، وكان يأمر الناس بالصدقة ويحرض عليها وكان يدعو إلى السماحة والسخاوة بحاله ومقاله، بحيث أن البخيل الشحيح إذا رآه أثر فيه وتخلق بالكرم والبذل، وكل
الصفحة (( 108 ) )
من خالطه وصاحبه، لم يكد يملك نفسه حتى يغلبه الإِحسان والبذل ولهذا لم يزل منشرح القلب طيب النفس منبسط الخاطر صلى الله عليه وآله وسلم.
"فصل"
في أسباب انشراح صدر حضرة سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم الذي أنزلت فيه سورة
"ألم نشرح لك صدرك"للامتنان بتلك النعمة
ينبغي أن يُعلم أن أجل أسباب انشراح الصدر هو التوحيد وبحسب كماله وتمامه وقوته وزيادته يزيد انشراح الصدر، قال الله تعالى (أَفَمَنْ شرحَ اللهُ صدرَه للإِسلامِ فهو على نورٍ من ربّه) ، وقال الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يهدِيَه يَشْرَحْ صدرَه للإِسلامِ ومن يردْ أنْ يُضِلَّه يجعلْ صدرَه ضَيقًا حَرجًا كأنَّما يَصْعَدُ في السماءِ) فلا جرم أن يكون التوحيد والهداية من أعظم أسباب انشراح الصدر، والشرك والضلالة من أعظم أسباب ضيق الصدر والقلب.