فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 209

لما كان الاعتكاف سبب جمعية الخاطر، والانقطاع عن الغير إلى الحق والإِقبال على العبادات، وموجب البعد عن الخلق، وواسطة لزوال التفرقة والهموم المغايرة، وهذه المقاصد في حالة الصيام أكمل وأفضل؛ لا جرم أنه صلى الله عليه وآله وسلم بين للأنام تشريع الاعتكاف في أفضل أيام الصيام، وهي العشر الأواخر من شهر رمضان، ولم يرد أنه اعتكف بغير صيام أبدًا. وكانت

الصفحة (( 117 ) ) [كيفية اعتكاف الرسول]

عائشة - رضي الله عنها - تقول:"لا اعتكاف إلا بصوم". واعتكف صلى الله عليه وسلم في جميع الرمضانات في العشر الأواخر، ولم يفته إلا رمضان واحد، قضى اعتكافه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ومرة في العشر الأوسط، ومرة في العشر الأخير ولما علم أن ليلة القدر في ذا العشر واظب اعتكافه إلى آخر الحال.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا قصد الاعتكاف ودخل معتكفه، وهو خيمة كانت تنصب له في المسجد ليختلي فيها، وكان لا يأتي منزله إلا لقضاء الحاجة، وكان في بعض الأحيان يخرج رأسه من المسجد إلى حجرة عائشة - رضي الله عنها - لترجل له رأسه وتغسله. ومن أراد من أمهات المؤمنين زيارته صلى الله عليه وسلم في حال الاعتكاف جاءت إليه وحين قيامها للرجوع، كان يقوم معها ويعانقها ويقبلها، وهذا المجموع كان في الليل، وكان لا يباشر في مدة الاعتكاف، وكان إذا أراد الاعتكاف يوضع له سرير في معتكفه، ويفرش له عليه وكان إذا دخل منزله لقضاء الحاجة لا يشتغل بأحد، وكان يمر في بعض الأحيان على المريض - من أهل بيته - فلا يقف عنده ولا يسأل عن حاله.

وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل عام عشرة أيام، وفي العام الأخير اعتكف عشرين يومًا، وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين وبالله التوفيق.

الصفحة (( 118 ) )

(باب)

حج النبي وعمرته

صلى الله عليه وآله وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت