فهرس الكتاب
والمنافقون تجري عليهم في الظاهر أحكام الإسلام، ولم يكن أحد من الطلقاء بعد الفتح يظهر المحادة لله ورسوله، بل يرث ويورث، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وتجرى عليه أحكام الإسلام التي تجرى على غيره.
وقد عرف نفاق جماعة من الأوس والخزرج كعبد الله بن أُبَيّ بن سلول وأمثاله، ومع هذا كان المؤمنون يتعصبون لهم أحيانًا، كما تعصب سعد بن عبادة لابن أُبَيّ بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال لسعاد بن معاذ: "والله لا تقتله ولا تقدر على قتله".
وهذا وإن كان ذنبًا من سعد لم يخرجه ذلك عن الإيمان، بل سعد من أهل الجنة، ومن السابقين الأولين من الأنصار. فكيف بعثمان إذا آوى رجلًا لا يعرف أنه منافق؟!
ولو كان منافقًا لم يكن الإحسان إليه موجبًا للطعن في عثمان فإن الله تعالى يقول: { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الممتحنة: 8] .
وقد ثبت في الصحيح أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم صِلي أمك" (1) .
وقد أوصت صفية بنت حيي بن أخطب لقرابة لها من اليهود.
فإذا كان الرجل المؤمن قد يصل أقاربه الكفّار، ولا يخرجه ذلك عن الإيمان، فكيف إذا وصل أقاربه المسلمين، وغاية ما فيهم أن يتهموا بالنفاق؟!
(1) الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في: البخاري 3/164 (كتاب الهبة، باب الهدية للمشركين) ، مسلم 2/696 (كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج...) ، سنن أبي داود 2/170 (كتاب الزكاة، باب الصدقة على أهل الذمة) ، المسند (ط. الحلبي) 6/344، 347 .