فهرس الكتاب
فلما كان على عهد عليّ قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلّى، فاستخلَفَ عليهم رجلًا صلّى بالناس بالمسجد. قيل: إنه صلَّى ركعتين بتكبير، وقيل: بل صلّى أربعًا بلا تكبير.
وأيضًا فإن ابن عباس عرّف في خلافة عليّ بالبصرة، ولم يُرو عن عليّ أنه أنكر ذلك.
وما فعله عثمان من النداء الأول اتفق عليه الناس بعده: أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، كما اتفقوا على ما سنّه أيضًا عمر من جمع الناس في رمضان على إمام واحد.
وأما ما سنّه عليّ من إقامة عيدين فتنازع العلماء فيه وفي الجمعة على ثلاثة أقوال. قيل: إنه لا يُشرع في المصر إلا جمعة واحدة وعيد واحد، كقول مالك وبعض أصحاب أبي حنيفة، لأنه السنة. وقيل: بل يُشرع تعدد صلاة العيد في المصر دون الجمعة، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. لكن قائل هذا بناه على أن صلاة العيد لا يُشترط لها الإقامة العدد كما يشترط للجمعة. وقالوا: إنها تُصلّى في الحضر والسفر. وهذا خلاف المتواتر من سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسنة خلفائه الراشدين. وقيل: بل يجوز عند الحاجة أن تُصلّى جمعتان في المصر. كما صلّى عليّ عيدين للحاجة. وهذا مذهب أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وأكثر المتأخرين من أصحاب الشافعي. وهؤلاء يحتجون بفعل علي بن أبي طالب لأنه من الخلفاء الراشدين.
وكذلك أحمد بن حنبل جوّز التعريف بالأمصار، احتج بأن ابن عباس فعله بالبصرة. وكان ذلك في خلافة عليّ، وكان ابن عباس نائبه بالبصرة. فأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتّبعون عليًّا فيما سنّه، كما يتّبعون عمر وعثمان فيما سنّاه. وآخرون من العلماء، كمالك وغيره، لا يتّبعون عليًّا فيما سنّه، وكلهم متفقون على اتّباع عمر وعثمان فيما سنّاه. فإن جاز القدح في عمر وعثمان فيما سنّاه، وهذا حاله، فلأن يُقدح في عليّ فيما سنّه - وهذا حاله - بطريق الأولى.