فهرس الكتاب
قيل: بل كل ما ثبت به النقل فهو صحيح سنّة، ولا ريب أن تعليم النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا محذورة الأذان، وفيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان. ولا ريب أن بلالًا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ولم يكن في أذانه ترجيع. فنقل أفراد الإقامة صحيح بلا ريب، ونقل تثنيتها صحيح بلا ريب، وأهل العلم بالحديث يصححون هذا وهذا.
وهذا مثل أنواع التشهدات المنقولات. ولكن اشتهر بالحجاز آخرا إفراد الإقامة التي عليها النبي صلّى الله عليه وسلّم بلالا. وأما الترجيع فهو يقال سرًّا.
وبعض الناس يقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم علّمه لأبي محذورة ليثبّت الإيمان في قلبه، لا أنه من الأذان. فقد اتفقوا على أنه لقّنه أبا محذورة، فلم يبق بين الناس خلاف في نقل الأذان المعروف.
خطأ الساعين في قتل عثمان وبغيهم
وأما قوله: وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل. وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى.
فالجواب: أما قوله"وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل".
فإن أراد إنهم خالفوه خلافًا يبيح قتله، أو إنهم كلهم أمروا بقتله، ورضوا بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يعلم كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة (1)
(1) قال أبو عبد الرحمن: قد أدرك ذو النورين رضي الله عنه حقيقة الطائفة الموتورة، وكشف عن حقيقتهم في كتابه الذي قُرئ على حجاج بيت الله الحرام قبل يوم التروية بيوم ولأهمية هذا الخطاب والذي تجاهله كثير من الذين يدّعون الموضوعية في تناول الأحداث، ولبيان حقيقة الزمرة الباغية التي قامت بالفتنة، نذكر هذا الخطاب بنصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو.
أما بعد ..
فإني أذكركم بالله جل وعز الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته، فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [إبراهيم: 34] . وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا } إلى قوله: { لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 102-105] . وقال وقوله الحق: { وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [المائدة: 7] .
وقال وقوله الحق: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ } إلى قوله: { فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الحجرات: 6-8] ، وقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } إلى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77] . وقال وقوله الحق: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } إلى { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التغابن: 6] .
وقال وقوله الحق: { وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } إلى قوله: { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 91-96] . وقال وقوله الحق: { أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } إلى { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء: 59] .
وقال وقوله الحق: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلى قوله: { وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور: 55] . وقال وقوله الحق: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } إلى { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 10] .
أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذّركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعًا، وسلط عليكم عدوكم، ويستحلّ بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعًا، وقد قال الله جل وعز لرسوله صلّى الله عليه وسلّم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [الأنعام: 159] .
وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبًا صلّى الله عليه وسلّم قال لقومه: { وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } إلى قوله: { رَحِيمٌ وَدُودٌ } [هود: 89، 90] .
أما بعد، فإن أقوامًا ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله عز وجل والحقّ، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق، ونازغ عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر، يريد أن يبتزّه بغير الحقّ، طال عليهم عمري، وراث عليهم.
أملهم الإمرة، فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أنّي تركت من الذي عادتهم عليه شيئًا، كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم تعدّاها في أحد، أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد.. قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب.
وقالوا: المحروم يُرزق، والمال ليُوفّى ليستن فيه السنة الحسنة، ولا يُعتدى في الخُمس ولا في الصدقة، ويُؤمّر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها. فرضيت بذلك واصطبرت له، وجئت نسوة النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى كلمتهن، فقلت: ما تأمرنني؟ فقلن: تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس وتدع معاوية، فإنما أمره أمير قبلك، فإنه مصلح لأرضه، وأرض جنده، واردد عمرًا، فإن جنده راضون به، وأمره فليصلح أرضه. فكل ذلك فعلت. وإنه اعتدي عليّ بعد ذلك، وعُدي على الحق.
كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر، واستعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزّوا ما قدروا عليه بالمدينة.
كتبت إليكم كتابي هذا، وهم يخيّرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابًا، غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرّون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة.
فقلت لهم: أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب، فلم يستقيد من أحد منهم، وقد علمت أنما يريدون نفسي، وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فلأن يلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرأ من عمل الله عز وجل وخلافته. وأما قولكم: يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي، فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاة الله عز وجل وإصلاح ذات البين، ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا بنائل منها إلا ما كتب الله عز وجل له، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلح الأمة وابتغاء مرضات الله عزّ وجل والسّنّة الحسنة التي استنّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والخليفتان من بعده رضي الله عنهما، فإنما يجزي بذلكم الله، وليس بيدي جزاؤكم، ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم. ولم يغن عنكم شيئًا، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده، فمن يرض بالنّكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضي الله سبحانه أن تنكثوا عهده.
وأما الذي يخيّرونني فإنما كله النزع والتأمير. فملكت نفسي ومن معي، ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء، فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني وترك البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله عز وجل، فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله، فإن الله سبحانه قال وقوله الحق: { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا } [الإسراء: 34] ، فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.
أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي { إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [يوسف: 53] ، وإن عاقبت أقوامًا فما ابتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله عز وجل من كل عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو، إن رحمة ربي وسعت كل شيء، إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المؤمنون والمسلمون.
انظر: الطبري ج4 ص407-411 .