الصفحة 76 من 127

وأما قوله استعمال الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخم، وصلى بالناس وهو سكران (1)

(1) قال أبو عبد الرحمن: كان الوليد رحمه الله تعالى من القادة المجاهدين في سبيل الله تعالى، وكن من خير الولاة على الكوفة وكان ضحية وشاية قام بها بعض الناقمين عليه لأه أقام حدود الله تعالى في بعض أبنائهم.

وللعلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى تحليل قيّم لشخصية الوليد بن عقبة وما رُم] به من اقتراف شرب الخمر، وأنقل كلامه بتمامه لما اشتمل عليه من تحقيق دقيق لهذه الحادثة.

قال العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى في تعليقه على"العواصم من القواصم"ص94 وما بعدها:... أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم (الذي كان منه لأمته كل ما استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منطقعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلًا عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر) فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها عوارها. ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرنًا، فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه. أراد الوليد بن عقبة - منذ ولى الكوفة لأمير المؤمنين عثمان - أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس، كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامه للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته، الناشرين لرسالته. وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات وداره - إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة - ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أو لا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء، متى شاء، من ليل أو نهار، ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستر عن الناس:

فالستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر

وكان ينبغي أن كون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة، وأدخل على الناس خيرًا حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد، ورد على كل مملوك من فضول الأموال في كل شهر ما يتسعون به من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول حكمه. إلا أن فريقًا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له. ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي، وآخر يسمى أبا مورع، وثالث اسمه جندب أبو زهير، قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلًا بجواره رجل من أصحاب رسول الله ومن أهل السابقة في الإسلام وهو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة إلى الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو المشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين. فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الرحيم. وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحًا دائمًا. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيًا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جاسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيًا لابد أن يكون مِمَّن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب، فلما فوجئ بهم نحى شيئًا أدخله تحت السرير. فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم. وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر. ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالًا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه ززجتيه - وكانت في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر - فقالتا أن آخر من بقي في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد. فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيّتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكان قد سافرا توًا إلى المدينة. وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر (وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر) فقال لهما عثمان: كيف رأيتما؟ قالا: كنا من غاشية، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقئ الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود. ويبوء شاهد الزور بالنار.

هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة 30 من تاريخ الطبري وليس فيها - على تعدد مصادرها القديمة - شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلًا من أن تكون اثنتين أو أربعًا. وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب، فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر (أحد أتباع عليّ) أنه كان مع عليّ عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل الناس عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه (كتاب الحدود ب8 ح5 ص126) بلفظ شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد قد صلى الصبح (ركعتين) ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ". فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ، أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة وقت الحادث المزعوم، ثم أنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف. ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم وارد في ثلاثة مواضع من مسند أحمد مرويًا عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني (ج1 ص82 و140 الطبعة الأولى - ج2 رقم 624 و1184 الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلًا عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد. وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد (ج1 ص144-145 الطبعة الأولى - ج2 رقم 1229) فقد جاء فيه على لسان حضين"أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعًا"وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف الله أعلم بسببه. وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين، وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه. وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علمًا بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان، لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فسادًا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام."

وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وحسن الرعاية لأمانات الله، وكان موضع الثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام: أبي بكر وعمر وعثمان. وأن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت بسبب التسامح من عثمان في عزلهم والقسوة عليهم لئلا يقول السفهاء أن له هوى في ذوي قرابته. وقد رأينا الذين يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في ص85 من ديوانه، ولا تحملهم سليقة النقد على الشهور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض، فأين مدحه فيها للوليد بقوله:

ورأوا شمائل ماجد أنف

يعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوبًا عليك ولم

تردد إلى عوز ولا فقر

من بقية الأبيات التي فيها:

نادى وقد تمت صلاتهم

أأزيدكم ثملًا وما يدري

فالذي يقول البيت الأخير لا يقل أن يقول معه البيتين الأولين فيكون مادحًا وذامًا في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات. وقد كانت لي مقالة مطولة عن"التخليط في الشعر"ضربت فيها الأمثلة على دس أبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها.

وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدّعوا حكاية الصلاة، مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الآخر. والآن أقلها لوجه الله صريحة مدوية: إن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوربي كالقديس لويس الذي أسرناه في دار ابن لقمان بالمنصورة لعدّوه قديسًا. لأن لويس التاسع لم يحسن إلى فرنسا كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته، ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام، والعجب لأمة تسيء إلى أبطالها، وتشوه جمال تاريخها، وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منها، ثم ينتشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق. اهـ.

قال أبو عبد الرحمن: ذكر المالقي في"التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان"ص57 أن البيت الأخير قاله أبو مورِّع ونحله الحطيئة ليعاب به، وذكر خمسة أبيات هي:

شهد الحطيئة حين يلقي ربه

إن الوليد أحق بالغدر

نادى وقد نفدت صلاتهم

أأزيدكم ثملًا وما يدري

ليزيدهم خيرًا لو قبلوا

منه لزادهم على العشر

فأبوا، أبا وهب ولو قبلوا

لقرنت بين الشفع والوت

خلعوا عنانك إذ جريت ولو

تركوا عنانك لم تزل تجري

وقد أفاض في دحض هذه الفرية بأسلوب لا يقل روعة عما ذكره العلامة الخطيب رحمه الله تعالى فضيلة العلامة الشيخ محمد الصادق العرجون رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله خير الجزاء عن رجال هذه الأمة الذين دافع عنهم وأوضح الحقيقة التاريخية بعد أن كانت فقط مبثوثة في ثنايا المتون التاريخية فقد ذكر العلامة العرجون رحمه الله تعالى في كتابه"الخليفة المفترى عليه عثمان بن عفان"104-109 ملابسات هذه الفرية ونقد بعض الروايات الواهية والأقوال المكذوبة في قضية اتهام الوليد بن عقبة بشرب الخمر.

وللحقيقة لم تقع عيناي على مؤلفات في تحليل الروايات التاريخية لا سيما في بيان مواقف رجالات الإسلام الذين يشار إليهم بالبنان مثل مؤلفات هذا العالم الجليل لا سيما كتابيه"خالد بن الوليد"و"عثمان بن عفان"ودع عنك ما كتبه المغرضون والسبئيون الذي يحاولون تشوية أمجاد وتاريخ سلف هذه الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت