فهرس الكتاب
فيقال: لا جرم طلبه وأقام عليه الحد بمشهد من عليّ بن أبي طالب، وقال لعليّ: قم فاضربه. فأمر عليّ الحسن بضربه، فامتنع. وقال لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه، فضربه أربعين. ثم قال: أمسك، ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحب إليّ"رواه مسلم وغيره (1) ."
فإذا أقام الحدّ برأي عليّ وأمره، فقد فعل الواجب.
الوالي قد يذنب والخليفة لا يعلم
وكذلك قوله: أنه استعمل سعيد بن العاص (2)
(1) مسلم 3/1331-1332 (كتاب الحدود، باب حد الخمر) ، وجاء هذا الأثر بمعناه في: سنن أبي داود 4/228 (كتاب الحدود، باب الحد في الخمر) ، سنن ابن ماجه 2/1858 (كتاب الحدود، باب حد السكران) .
(2) قال أبو عبد الرحمن: أن من يقرأ سيرة هذا المجاهد يتعجب من كرم أخلاقه وجوده وجهاده في سبيل الله تعالى، ورغم هذه المكارم إلا أننا نجد أحفاد ابن سبأ يحاولون إظهار شخصيته بمظهر المتهالك على حطام الدنيا وأنَّ أفعاله مشينة لا يمكن أن يتصف بها رجل يدين بالإسلام، ولا نعرف أي إسلام هذا الذي يزن الرجال الأفذاذ بميزان الخسة والنذالة، إلا أن يكون إسلام المجوس الذي يتسترون به، ولا عجب في ذلك فإن صفوة الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام نالتهم سهام المجوس، أفيكون ابن العاص بعيدًا عن تلك السهام؟
وأضع بين يدي القراء الكرام ترجمة لهذا القائد المسلم وذلك من المراجع الإسلامية، وبعد ذلك أدع له الحكم عليه، وصراحة أننا لا نستطيع وضع الرجال الأفذاذ في المكانة التي يستحقونها إذا كانت مراجعنا في ذلك مؤلفات المسعودي واليعقوبي وابن أبي الحديد وغيرهم من المؤرخين الذين اكتووا بالأحقاد أو على أقل تقدير تأثرهم بعقائد المجوس الرافضة في تقييم الرجال من سلف هذه الأمة.
قال عنه الذهبي (سير أعلام النبلاء ج3 ص445) : وكان أميرًا، شريفًا، جوادًا، ممدّحًا، حليمًا، وقورًا، ذا حزم، وعقل، يصلح للخلافة. وَلِيَ إمرة المدينة غير مرة لمعاوية، وقد وَلِيَ إمرة الكوفة لعثمان بن عفان، وقد اعتزل الفتنة، فأحسن، ولم يقاتل مع معاوية. اهـ.
وكان رحمه الله تعالى ممن أقيمت عربية القرآن الكريم على لسانه لأنه أشبههم لهجة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم (انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص448-449، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج9 ص310، والوافي بالوفيات للصفدي ج15 ص228) وكان كريمًا إلى حد كبير حتى أنه لقب بأكرم العرب والذي لقبه به هو سيد البشر صلّى الله عليه وسلّم، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببرد فقالت: إني نويت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب، فقال: أعطيه هذا الغلام - يعني سعيد بن العاص - وهو واقف. فلذلك سميت الثياب السعدية (انظر: الوافي بالوفيات 15/228، البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص84) .
وحكايات كرمه وجوده أكثر من أن تحصى، حتى أنني عندما اطلعت على ترجمته في ثنايا المراجع التي ترجمت له كدت لا أصدق أن يكون بهذه الصورة من الكرم والجود، ولكن بشارة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ووصفه بأكرم العرب. ويقول ابن كثير في البداية 8/84: وقد كان حسن السيرة، جيد السيريرة، وكان كثيرًا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوي الحاجات في المسجد.
ولأن المجال لا يتسع لأكثر مما ذكر، فمن أراد الوقوف على حقيقة هذا الأمير رحمه الله تعالى فليرجع إلى المراجع التالية لتتضح له الصورة بكاملها من النبع الصافي لا من المستنقعات الآسنة التي يقبع فيها أحفاد ابن سبأ:
سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص444-449 .
التاريخ الكبير للإمام البخاري ق1 ج2 ص502 ترجمة رم 1672 .
طبقات ابن سعد 5/30-35 .
البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص83-87 .
أنساب الأشراف للبلاذري، القسم الرابع، الجزء الأول ص433-441 .
مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج9 ص305-318 .
الوافي بالوفيات للصفدي ج15 ص227-230 .
الخليفة المفترى عليه"عثمان بن عفان"للشيخ محمد الصادق العرجون 109-112 ففي هذه الصفحات تحليل وتدقيق لولاية سعيد بن العاص على الكوفة.
وغير ذلك من المراجع الإسلامية، وللدكتور محمد الصباغ حفظه الله تعالى بحثًا قيمًا حول هذا القائد المجاهد رحمه الله تعالى.