فهرس الكتاب
على الكوفة، وظهر منه ما أدّى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها.
فيقال: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذاك، فإن القوم كانوا يقومون على كلّ والٍ (1)
(1) قال أبو عبد الرحمن: إن عزل عثمان رضي الله عنه لسعيد بن العاص لم يكن من ذنب أتى به سعيد، ولكن لما قامت الفتنة في الكوفة بقيادة بعض الموتورين أمثال الأشتر وغيره من دعاة الفتنة واستنفار العامة، وإصرار الغوغاء على عزل سعيد بن العاص، وذلك لما ذهب ابن العاص إلى عثمان رضي الله عنه يطلعه على حقيقة الوضع في الكوفة وما اكتنفه من فوضى وعدم انضباط، فاستغل دعاة الفتنة فرصة غياب سعيد بن العاص عن الكوفة وبثّوا الأكاذيب والأراجيف، والذي تولاها مالك بن الأشتر بعد الإعداد والتخطيط بمشاركة النفر الذين كانوا في صف عبد الله بن سبأ.
وصل الأشتر للكوفة ووقف على المسجد وقال - وهو كاذب مفتر فيما قال:
أيها الناس، قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيدًا يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم، ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين، ويزعم أن فيئكم بستان لقريش، فقد سايرته مرحلة، فما زال يرتجز بذلك حتى فراقته، يقول:
ويل لأشرف النساء مني صمحمح كأني من جنّ
فاستخف الناس فأصغوا إليه، وقام عقلاء الكوفة ينهونهم عن الخروج ونبذ الجماعة، ولكن أنّى للعقول التي اعتراها الطمع والثأر لمصالحهم الشخصية أن يستمعوا إلى نداء العقل.
وخرجوا إلى خارج الكوفة ونزلوا مكانًا يقال له الجرعة وهو بالقرب من الكوفة وقابلوا هناك سعيدًا بن العاص وقالوا له: لا حاجة لنا بك، فقال سعيد: أما اختلفتم إلا بي؟ إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلًا، أو تضعوا له رجلًا، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟ وانصرف عنهم.
وكتب الموتورون إلى عثمان رضي الله عنه بأن يولي عليهم أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فاستجاب لهم.
وللتفصيل انظر: التمهيد والبيان للمالقي 72-76، تاريخ الطبري ج4 ص330-332 .
ويقول الدكتور محمد السيد الوكيل في كتابه"جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين"ص410-411 عن الأشتر وذلك لتتضح الصورة للقارئ الكريم حقيقة هذا الثائر المتردد الذي يهوى الفتن ولو بالكذب والبهتان ليستهوي قلوب العامة والغوغاء:
فقد كان يرى نفسه كفؤًا لإدارة أعمال المسلمين وكان يعتقد أنه أحق بالولاية من غيره ممن ولاهم أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - ولما لم يول ثار وحرض وارتكب الجرائم العظام حتى قتل عثمان، وكان من أوائل المبايعين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومن أكبر أعوانه أملًا أن ينال منه ما لم ينل في عهد عثمان ولكنه لم ينل مأربه حتى في عهد عليّ، لأنه ليس الرجل الذي يتحمل عن المسلمين. وليس أدل على تطلعه إلى الولاية وغضبه لنفسه إذ لم يول من قوله وقد ولي عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس البصرة، ولم يكد الخبر يطير إلى آذان الأشتر حتى غضب وقال: علام قتلنا الشيخ، إذ اليمن لعبيد الله والحجاز لقثم والبصرة لعبد الله والكوفة لعليّ.
وهكذا يعرّض الأشتر بولاة الخليفة الجديد الذي أسرع في بيعته، وتفانى في خدمته أملًا أن يصيبه شيء من الأمر الذي كان يعمل جاهدًا للوصول إليه، فلما وجد أمير المؤمنين عليًّا عدل عنه وولاها الأكفاء من أبناء عمه تمامًا كما فعل عثمان ثار وغضب، وركب دابته وفارق الخليفة ولولا أن أدركه الإمام، وأغذّ السير حتى لحق به، ما كان يدري إلا الله ماذا كان سيعمل هذا الثائر المتمرد. إن غضبة هذا وأمثاله لم تكن في ساعة من الساعات خالصة لوجه الحق، ولم يرد بها قط تقويم الخليفة وإعادته إلى الجادة التي سلكها صاحباه من قبل، ولكنها كانت لهوى النفس، ونفثة من الشيطان.