فهرس الكتاب
وإنما ظهر الأحداث من معاوية في الفتنة لما قُتل عثمان، ولما قُتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم.
ومعاوية كان خيرًا من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بُسْر بن أبي أرطاة، وغير هؤلاء من الذين كانوا معه ومع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.
عبد الله بن عامر أحد قواد الإسلام
وأما قوله:"وولّى عبد الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل" (1)
(1) قال أبو عبد الرحمن: عبد الله بن عامر أبو عبد الرحمن من القادة الذين فتحوا إقليم خراسان وأطراف فارس وكثير من المناطق الرازحة تحت سيطرة ملك الفرس يزدجرد، ولذا فإن عداوة الفرس المجوس ومن يدين بدينهم يبغضونه أشد البغض، وينتحلون من الأكاذيب والأساطير ما يحاولون به تشويه سيرته التي قضاها فاتحًا وعادلًا في رعيته. إضافة إلى قضائه ومحاربته للموتورين من أتباع عبد الله بن سبأ، لا سيما وأنه هو الذي طرد ابن سبأ من البصرة وأيضًا قاطع الطريق حكيم بن جبلة فيذكر لنا الطبري في تاريخه ج4 ص326-327:
لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين، بلغه أن في عبد القيس رجلًا نازلًا على حكيم بن جبلة، وكان حكيم بن جبلة رجلًا لصًا إذا قفل الجيش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدًا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها. فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر، فسأله: من أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقر بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم.
وقد أثنى على ابن عامر كثير من علماء هذه الأمة ومؤرخيها فيقول الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص21:
وكان من كبار ملوك العرب، وشجعانهم وأجوادهم، وكان فيه رفق وحلم.
ويقول ابن كثير في البداية والنهاية ج8 ص88:
ولد في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتفل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:"إنه لمسقاه"، فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر له الماء، وكان كريمًا ممدحًا ميمون النقيبة.... وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى عليها الماء المعين والعين.
ويقول العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى في تعليقه على"العواصم"ص84:
فلم يزل ملك أولاده (يقصد أول ملوك الفرس والمسمى جيومرت) منتظمًا على سياق إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين بجهاد هذا العبشمي الآباء الهاشمي الخئولة عبد الله بن عامر بن كريز، وهي حرقة في قلوب أهل النزعة المجوسية على الإسلام، وعلى عثمان، وابن كريز، فهم يحقدون على هؤلاء ويحاربونهم إلى اليوم بسلاح الكذب، والبغض والدسائس وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة.... ونحن لا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونتوقع الخطأ من كل إنسان، صحابيًا كان أو من التابعين أو الذين يتبعونهم بإحسان. ولكن الذين ملأوا الدنيا بالحسنات كأنها الجبال فإن الذي يعمى عنها، ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فإن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم. ودع عنك فتوح عبد الله بن عامر بن كريز التي وصلت إلى أقصى المشارق، وتقويضه آخر أمل للإمبراطورية المجوسية، فإن حسناته الإنسانية أيضًا جديرة بالتسجيل.