فهرس الكتاب
فالجواب: أن عبد الله بن عامر له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر، وإذا فعل منكرًا فذنبه عليه. فمن قال: إن عثمان رضي بالمنكر الذي فعله؟
مسألة تولية مروان بن الحكم
وأما قوله:"وولّى مروا أمره، وألقى إليه مقاليد أموره، ودفع إليه خاتمه، وحدث من ذلك قتل عثمان (1) ، وحدث من الفتنة بين الأمة ما حدث".
فالجواب: أن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور متعددة، من جملتها أمور تنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كبر، وكانوا يفعلون أشياء لا يُعلمونه بها، فلم يكن آمرًا لهم بالأمور التي أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا يفعل ذلك، وقد تقدم الجواب العام.
ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أمورًا، أزالها كلها عثمان (2)
(1) قال أبو عبد الرحمن: أن استشهاد الخليفة رضي الله عنه لم يكن من جراء ذلك، بل من قبل حفنة من المتورين والحاقدين والذين أصابهم سوط الشريعة بخروجهم عن جادة الصواب، وقد تقدم بيان ذلك.
(2) قال أبو عبد الرحمن: وذلك حينما أراد الموتورون إثارة الفتنة بطرح بعض الأحداث التي أحدثها - على حد زعمهم - عثمان رضي الله عنه. وقدموا إلى المدينة بتخطيط مسبق مع بعضهم البعض، فاجتمع رؤسائهم وقرروا مواجهة الخليفة رضي الله عنه ببعض التهم، ليمكن بعد ذلك إشاعة تلك المقولات وإيهام الناس بأن الخليفة قد أقرهم على ما طرحوه من المؤاخذات وأنه قد وعد بالرجوع عنها. وهدفهم من ذلك التأكد على ما زرعوه في قلوب الناس ثم يرجعون إليهم فيزعمون لهم أنهم قرروه بها، فلم يتب منها ولم يظهر الندم على ما وقع منه والتوبة، وبعد ذلك يخرجون كأنهم يريدون الحج ويعرضون على عثمان رضي الله عنه الخلع فإن لم يستجب قاتلوه.
ولما علم عثمان رضي الله عنه حقيقة أولئك القوم أرسل إليهم ونادى: الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعًا: اقتلهم، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:"من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا أحد أحدًا حتى يركب حدًا، أو يبدي كفرًا. أن هؤلاء ذكروا أمورًا قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليّ عند من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلدًا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين. أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت، حمى قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعاية أحدا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدًا إلا من ساق درهما، ومالي من بعير غير راحلتين، وما لي ثاغية ولا راغية، وإني قد وليت إني أكثر العرب بعيرًا وشاءً، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: إني رددت الحكم وقد سَيَّرهُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحكم مكي، سيره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم سيره، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ردّه، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث. ولم أستعمل إلا مجتمعًا محتملًا مرضيًا، وهؤلاء أهل عملهم، فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون الناس ما لا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيتهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلًا فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء، فولى المسلمون وضعها في أهلها دوني، ولا يتلفت من مال الله بفلس فما فوق، وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي.
وقالوا: أعطيت الأرض رجالًا، وأن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم، انظر: تاريخ الطبري 4/346-348، التمهيد والبيه للمالقي 104-106 .