فهرس الكتاب
وقالوا إن ذوي القربى في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم ذوو قرباه، وبعد موته هم ذوو قربى من يتولّى الأمر بعده. وقالوا: إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما أقارب كما كان لعثمان، فإن بني عبد شمس من أكبر قبائل قريش، ولم يكن من يوازيهم إلا بنو مخزوم. والإنسان مأمور بصلة رحمه من ماله، فإذا اعتقدوا أن ولي الأمر يصله من مال بيت المال مما جعله الله لذوي القربى، استحقوا بمثل هذا أن يوصلوا من بيت المال ما يستحقونه، لكونهم أولي قربى الإمام. وذلك أن نصر ولي الأمر والذب عنه متعين، أقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما لا يفعله غيرهم (1) .
وبالجملة، فلابد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لابد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين.
(1) قال أبو عبد الرحمن: أن بذل عثمان رضي الله عنه إنما كان من ماله الخاص، وقد بيّن رضي الله عنه ذلك في خطبته التي ذكرناها قبل صفحات.
ويقول العلامة العرجون في"الخليفة المفترى عليه"ص99: حب عثمان لأقاربه، وإحسانه إليهم، وعطفه عليهم، ورفع شأن ذوي النبوغ منهم والاستعانة بأهل القوة والمقدرة على العمل فيهم ليس غريبًا عن أوضاع الحياة وطبيعتها، بل الغريب من مألوف الحياة ومعهودها ألا يحبهم ولا يكرمهم، ولا يرفع من شأنهم، وقد أذلهم في أول الدعوة الإسلامية تقاعسهم عن السيف إلى الإسلام، واعتزازهم بمعزات الجاهلية ليًا بأبصارهم عن بلج الحق، وسبقهم غيرهم ممن كان لا يلحق بهم في أولياتهم الجاهلية إلى عزة الإسلام، فانزوى بعضهم، ولج في العناد آخرون حتى احتوشهم الإيمان بجحافله، فدخلوا إلى ساحة الإسلام طائعين وكارهين، وقد وجدوا في نبيلهم عثمان بن عفان ركنًا شديدًا يأوون إليه بعد الإيمان بالله ورسوله، وقد أعطاه الإسلام قيادة وولاه المسلمون أمرهم عن رضا ومشورة منهم.