فقال لي: هل تشك في مذهب أهل البيت؟!
فأجبته بقوة: معاذ الله.
فقال: إذن أبعد هذه الوساوس عن نفسك فأنت من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأهل البيت تلقوا عن محمّد صلى الله عليه وآله، ومحمد تلقى من الله تعالى.
سكت قليلًا حتى ارتاحت نفسي، ثم قلت له: بارك الله فيك شفيتني من هذه الوساوس.
ثم عدت إلى دراستي، وعادت إليَّ تلك الأسئلة والاستفسارات، وكلما تقدمت في الدراسة ازدادت الأسئلة وكثرت القضايا والمؤاخذات.
المهم أني أنهيت الدراسة بتفوق حتى حصلت على إجازتي العلمية في نيل درجة الاجتهاد من أوحد زمانه سماحة العميد محمّد الحسين آل كاشف الغطاء زعيم الحوزة، وعند ذلك بدأت أفكر جديًا في هذا الموضوع، فنحن ندرس مذهب أهل البيت، ولكن أجد فيما ندرسه مطاعن في أهل البيت (عليهم السلام) ندرس أمور الشريعة لنعبد الله بها، ولكن فيها نصوصًا صريحة في الكفر بالله تعالى.
أي ربي ما هذا الذي ندرسه؟! أيمكن أن يكون هذا هو مذهب أهل البيت حقًا؟!
إن هذا يسبب انفصامًا في شخصية المرء، إذ كيف يعبد الله وهو يكفر به؟
كيف يقتفي أثر الرسول صلى الله عليه وآله، وهو يطعن به؟!
كيف يتبع أهل البيت ويحبهم ويدرس مذهبهم، وهو يسبهم ويشتمهم؟!
رحماك ربي ولطفك بي، إن لم تدركني برحمتك لأكونن من الضالين بل من الخاسرين. وأعود وأسأل نفسي: ما موقف هؤلاء السادة والأئمة وكل الذين تقدموا من فحول العلماء، ما موقفهم من هذا؟ أما كانوا يرون هذا الذي أرى؟ أما كانوا يدرسون هذا الذي درست؟.
بلى، بل إن الكثير من هذه الكتب هي مؤلفاتهم هم، وفيها ما سطرته أقلامهم، فكان هذا يدمي قلبي ويزيده ألمًا وحسرة.
وكنت بحاجة إلى شخص أشكو إليه همومي وأبث أحزاني، فاهتديت أخيرًا إلى فكرة طيبة وهي دراسة شاملة أعيد فيها النظر في مادتي العلمية، فقرأت كل ما وقفت عليه من المصادر المعتبرة وحتى غير المعتبرة، بل قرأت كل كتاب وقع في يدي، فكانت تستوقفني فقرات ونصوص كنت أشعر بحاجة لأن أعلق عليها، فأخذت أنقل تلك النصوص وأعلق عليها بما يجول في نفسي، فلما انتهيت من قراءة المصادر المعتبرة، وجدت عندي أكداسًا من قصاصات الورق فاحتفظت بها عسى أن يأتي يوم يقضي الله فيه أمرًا كان مفعولًا.
وبقيت علاقاتي حسنة مع كل المراجع الدينية والعلماء والسادة الذين قابلتهم، وكنت أخالطهم لأصل إلى نتيجة تعينني إذا ما اتخذت يومًا القرار الصعب، فوقفت على الكثير حتى صارت قناعتي تامة في اتخاذ القرار الصعب، ولكني كنت انتظر الفرصة المناسبة. وكنت أنظر إلى صديقي العلامة السيد موسى الموسوي فأراه مثلًا طيبًا عندما أعلن رفضه للانحراف الذي طرأ على المنهج الشيعي، ومحاولاته الجادة في تصحيح هذا المنهج. ثم صدر كتاب الأخ السيد أحمد الكاتب (تطور الفكر الشيعي) وبعد أن طالعته وجدت أن دوري قد حان في قول الحق وتبصير إخواني المخدوعين، فإننا كعلماء مسؤولون عنهم يوم القيامة فلا بد لنا من تبصيرهم بالحق وإن كان مرًا.
ولعل أسلوبي يختلف عن أسلوب السيدين الموسوي والكاتب في طرح نتاجاتنا العلمية، وهذا بسبب ما توصل إليه كل منا من خلال دراسته التي قام بها.
ولعل السيدين المذكورين في ظرف يختلف عن ظرفي، ذلك أن كلًا منهما قد غادر العراق واستقر في دولة من دول الغرب، وبدأ العمل من هناك.
أما أنا فما زلت داخل العراق وفي النجف بالذات، والإمكانات المتوافرة لدي لا ترقى إلى إمكانات السيدين المذكورين، لأني وبعد تفكير طويل في البقاء أو المغادرة، قررت البقاء والعمل هنا صابرًا محتسبًا ذلك عند الله تعالى، وأنا على يقين أن هناك الكثير من السادة ممن يشعرون بتأنيب الضمير لسكوتهم ورضاهم مما يرونه ويشاهدونه، ومما يقرأونه في أمهات المصادر المتوافرة عندهم، فأسأل الله تعالى أن يجعل كتابي حافزًا لهم في مراجعة النفس وترك سبيل الباطل وسلوك سبيل الحق، فإن العمر قصير والحجة قائمة عليهم، فلم يبق لهم بعد ذلك من عذر.
وهناك بعض السادة ممن تربطني بهم علاقات استجابوا لدعوتي لهم - والحمد لله - فقد اطلعوا على هذه الحقائق التي توصلت إليها وبدؤوا هم أيضًا بدعوة الآخرين فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياهم لتبصير الناس بالحقيقة، وتحذيرهم من مغبة الانجراف في الباطل، إنه أكرم مسؤول.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)