الله بن عمرو بن العاص أن يبيع الإبل بعضها ببعض متفاضلة وإلى أجل، فهمنا أن المعدودات لا ربا فيها، قال عبد الله رضي الله عنهما: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين، والفرس بالأفراس إلى إبل الصدقة) . فجمع بينه وبين النسيئة، والبعير بالبعيرين جائز، لكن الصاع بالصاعين غير جائز، وفهمنا أن الصاع مكيل وأن البعير معدود. والسبب في هذا: أن المعدودات تتكافأ بالعدد، فلربما يكون الواحد يعادل العشرة، فسقط الربا فيها، ولكن المكيلات تتكافأ في الكيل، فوجب التماثل فيها. ومن هنا أخذ العلماء هذه العلة المستنبطة من النص، فقالوا: العلة عندنا الموزونات فهمًا من هذه السنة، فإذا قلت: إن العلة الوزن؛ وجب التماثل والتقابض إن اتحد الموزون، مثل: حديد بحديد، سواءً كان جيدًا أو رديئًا .. إلخ. ويجب التقابض إن اختلف الموزون، وهذا الذي جعله رحمه الله من كل ربويٍ بيع بجنسه، فمعناه: أنه لو بيع الموزون بالموزون اتفقا أو اختلفا وجب التقابض، هذا هو معنى قوله رحمه الله: (ويحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل) .
ربا النسيئة في بيع الجنسين قال رحمه الله: [في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل] : ذكرنا أنه إذا بيع موزون بموزون، سواءً كان من جنس الخشب أو من جنس الحديد أو النحاس أو الرصاص أو النيكل أو غير ذلك؛ فإنه ينبغي أن يكون يدًا بيد. وقوله: (اتفقا في علة ربا الفضل) هنا يلاحظ مسألة الاختلاف، فقوله: (اتفقا في علة ربا الفضل) أي: الوزن في الموزون، وبالنسبة للطعام الكيل أو الوزن، فالمطعوم المكيل مع المطعوم المكيل، سواءً اتفقا أو اختلفا، يدًا بيد، والمطعوم الموزون مع المطعوم الموزون، سواءً اتفقا أو اختلفا، يدًا بيد. فإكان مطعومًا موزونًا متفقًا، مثل البرتقال فإنه يباع بالوزن إذا اتفقا، فبرتقال ببرتقال لابد أن يكونا مثلًا بمثل، فإذا باع الكيلو فيكون بكيلو، أو كيلوين بكيلوين، وأن يكون يدًا بيد، وهكذا التفاح إذا بيع وزنًا مع الاتفاق وجب التماثل والتقابض. أما مع الاختلاف؛ كتفاح ببرتقال، فإن التفاح يوزن والبرتقال يوزن، وكلاهما مطعوم، فيباع الموزون بالموزون من المطعوم، ويجب التقابض ولم يجب التماثل؛ لأنهما مختلفان، فلو قال قائل: أريد أن أبادل الصندوق من البرتقال بالصندوقين من التفاح؟ فنقول: التفاضل جائز؛ لأنهما ليسا بمتحدين في ربا الفضل، ولكن يجب أن يبادله التفاح بالبرتقال يدًا بيد؛ لأن التفاح والبرتقال يعتبر كلًا منهما موزونًا مطعومًا. إذًا: في الطعام ننظر إذا كان مكيلًا أو موزونًا فلابد من التماثل والتقابض إذا اتحدا، ويجوز التفاضل ويجب التقابض إذا اختلفا، هذا بالنسبة للضابط على الأصل الذي بيناه.
حكم بيع الربويين المختلفين ببعضهما إذا كان أحدهما نقدًا قال رحمه الله: [ليس أحدهما نقدًا كالمكيلين والموزونين] : للحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد) ، فلو أنه باع من الأربعة المطعومة: برًا بتمر، أو شعيرًا بتمر، أو شعيرًا بملح؛ فإنه يجب التقابض على ظاهر السنة، وهكذا لو باع الفضة بالذهب؛ لكن لو باع الذهب بصنف من الأصناف الأربعة، أو باع الفضة بصنف من الأصناف الأربعة، فصار أحدهما نقدًا .. فعندنا ستة أصناف كلها ربوية إن كان موزونًا بموزون، أو مكيلًا بمكيل من المطعومات أو من غير المطعومات، فإذا كان موزونًا فإنه يجب التقابض، لكن إذا بيع الذهب أو الفضة بواحد من الأصناف الأربعة، فهناك ربوي بربوي، ولكن إذا كان أحدهما نقدًا فإنه لا يشترط التقابض ولا التماثل، كأن يشتري مائة صاع من بر بمائة ريال، وهكذا لو اشترى بالنقد ما هو موزون من برتقال أو موز أو تفاح أو نحو ذلك، فإنه لا يشترط التقابض. والدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) ، والسلف: تقديم الثمن وتأخير المثمن، بأن يعطيه الدراهم والدنانير معجلة على أن يأخذ منه الطعام مؤجلًا، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم تأخير المطعوم مع النقد. فدل على أنه إذا بيع المؤجل وكان أحدهما نقدًا، جاز ولا بأس به، فلو جاء إلى صاحب البقالة، وقال له: سيأتي ولدي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)