أن يرجع إليه ماله. ولو لم نضع هذه القواعد لما استطعنا أن نعدل بين اثنين، فالشريعة قد تجد فيها نوعًا من التشدد، لكنها في الحقيقة فيصل بين الناس. فهذا من تفصيل الأحكام أن كل إنسان يأخذ حقه، فإذا جاء القاضي وهو يريد أن يفصل في الخصومة، وقد وضعت الشريعة ضوابط المبيعات والعقود، لا يوجد أي عائق يعوقها عن إيصال الحق لكل ذي حق، فيوصل لكل ذي حق حقه. فهنا إذا وقع البيع على معين فات بفواته، فإذا صرف الدراهم والدنانير وقلنا: إن الدراهم والدنانير تتعين بالعقد، فحينئذٍ إذا ظهرت معيبة أو مغشوشة مزيفة فات العقد بفواتها.
حكم بيع المغصوب والمغشوش قال رحمه الله: [وإن وجدها مغصوبة بطل] ولا يستطيع أن يأتي ببديل عنها، لأنها تعينت ففات البيع بفواتها؛ لأنها ملك هذا المعين. وقوله: [ومعيبة من جنسها أمسك أو رد] . كأن يستبدل دنانير أو دراهم ويكون فيها عيب في نفس ذات الدينار والدرهم، فإذا وجد فيها عيبًا فإن العيب ينقص المالية، وينقص قيمتها، كأن وجد فيها غشًا، ففي القديم كان الذهب فيه الخالص وفيه المغشوش، فكانوا ربما زيفوا الدنانير والدراهم، فأدخلوا فيها غشًا وشوبًا، وهذا يؤثر في قيمتها؛ لأن المالية والثمنية الموجودة فيها من الذهب ناقصة فتنقص بنقصانها، فهذا عيب ينقص قيمتها، فلو كان هناك نوع من الدنانير المغشوش الناقص، فباعه كاملًا على أنه من النوع الجيد، فظهر أنها معيبة، فالمشتري يخيّر بين الأمرين: الأمر الأول: أن يمسكها ولا أرش. الأمر الثاني: أن يردها ويبطل العقد ويفسخه. حكم التعامل بالربا بين المسلمين والكفار قال رحمه الله: [ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلام أو حرب] . التعامل بالمحرم يختص بالمسلم مع المسلم؟ أم أن التحريم يشمل المسلم وغير المسلم؟ فبعض العلماء يقول: إذا بعت الحرام من كافر، وكان مال الكافر ملكًا لنا، فإنه يصح ويكون ذلك جائزًا لنا؛ لأن أموالهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) ، فجعل حرمة المال مقيدة بالإسلام، فإذا كان غير مسلم فإنه يمكن أن يأخذ الريال بالريالين؛ لأن أصل ماله ليس له حرمة، فهذا وجه إدخال مسألة غير المسلم. وغير المسلم إن كان ذميًا فإن الذمة تجعل ماله ودمه حرامًا؛ لأن عقد الذمة يعطيهم حق الحفظ، والشريعة تحترم هذه المواثيق التي بين المسلمين والكفار، وأن الكافر إذا دخل بلاد المسلمين بأمان فله أمان الله ورسوله. ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة) ، حتى قال بعض العلماء: لو أن امرأة أجارت رجلًا فهو في ذمة المسلمين كلهم، كما في الصحيح أن أم هانئ لما دخل ابن عمها عليها في يوم الفتح واستجار بها، وأراد علي أن يقتله، فمضت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ) ، فجعل حرمة الدم بالأمان. فإذا دخل الكافر بلاد المسلمين كان له أمان في دمه وعرضه وماله، وهذا بأصل عقد الذمة التي بينه وبين المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) ، فلو أن أصغر المسلمين أمَّن كافرًا؛ بل حتى لو أمَّن أهل قرية بكاملها فإنها أمان من المسلمين كلهم، لا تخفر هذه الذمة ولا تنقض، ولا يجوز أن يعتدى عليها؛ لأنهم ما داموا قد دخلوا في أمان المسلم فينبغي حفظ هذا الأمان؛ لأن المسلمين لا يغشون ولا يخونون ولا ينكثون، حتى إن الإسلام إذا أراد أن يحارب من بينه وبينه عهد ينبذ إليه وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال:58] ، فالإسلام لا توجد فيه الخديعة؛ بل أمره واضح أشد من وضوح الشمس. فمن هنا إذا كان الكافر له ذمة في ماله فإنه يحرم التعامل مع الذمي بالربا؛ لأن الذمي له حرمة في ماله، وقد يحتال في غير الذمي ممن ليس له أمان كالحربي؛ فالحربي ماله حلال، فقال بعض العلماء: الحربي ماله حلال، ويجوز أن تأخذ ماله بالعقد وبغير العقد، فهنا لو تعاقد مع حربي وأعطاه مائة على أن يردها مائة وخمسين، حلت له الخمسون على أن ماله لا حرمة له. لكن الإشكال أن العقد حرمه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)