عباد الله، إنَّ في هذه الخطبة العظيمة التي خطب بها رسول الله في هذا اليومِ العظيم من ألوان التقرير لوِحدة الأمّة والحثّ على الاستمساك بأهدابها والتنفير من المساس بها أو تعكير صفوها أو توهين عُراها بأيّ صورةٍ من الصور وتحت أيّ اسم من الأسماء ما لا مزيد عليه، فحرمةُ الدماء والأموال والأعراض مرتكزٌ عظيم وقاعدة راسخة وأساس متين لبناء وحدة الأمة القائمة على توحيد الله وتحقيقِ العبودية له وحده سبحانه دونَ سواه، ثمّ جاء تحريم القتال بين أبناء الأمّة المسلمة متلازمًا مع تقرير هذه الحرمة أشدّ التلازم، مرتبطًا بها بأوثق رِباط، إذ القتال مفضٍ إلى انتهاكِ هذه الحرمة وتقويض هذه العِصمة واستباحة هذا الحِمى، فلا عجَب إذًا أن يكون محرَّمًا تحريمًا بالغَ التأكيد بهذه الصورة البيانية البليغة المتفرِّدة التي ازدادت وثاقةً وتأكّدًا بكونها وصيةَ رسول الله لأمّته كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.
أيّها المسلمون، إنَّ من أظهر أسباب الحفاظ على هذه الوحدة قيامَ المرء بأداء ما افترض الله عليه، وفي الطليعة بذلُ حقّه سبحانه في توحيده بإفراده بالعبادة وعدم الإشراك به، ثمّ بإقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، لأنَّ امتثالَ أوامرِ الله والانتهاءَ عمَّا نهى عنه باعثٌ عظيم على معرفة العبد ما يجب عليه من الحقوق، ثمّ على العمل على صيانتها وحفظها ورعايتها حقَّ رعايتها، ومن أعظمها حقُّ الإخوة في عصمة الدماء والأموال والأعراض، وحقُّ الأمة في وحدة الصفّ واجتماع الكلمة ونبذ الفرقة. ومن أسباب الحفاظ على هذه الوحدة أيضًا ـ يا عباد الله ـ طاعةُ من ولاه الله أمرَ المسلمين، إذ في السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ـ كما قال العلامة الحافظ ابن رجب رحمه الله ـ سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم. وأما المخالفة عن هذا بترك السمع والطاعة في المعروف فلا ريبَ أنّه يفضي إلى شرّ عظيم، ويحدث من الفساد والمنكر والبلاء ما لا سبيل إلى دفعه أو الخلاص منه، وكفى به شرًّا أنّه عاملُ هدمٍ في بناء الوحدة وأصلٌ من أصول الفُرقة وداعٍ من دواعي التنازع والفشل وذهاب الريح، ولذا جاء أمرُه صلوات الله وسلامه عليه في خطبة يومِ النّحر بعبادة الله وتقواه، ثم بطاعة من ولِي أمرَ المسلمين، جاء هذا دالًا على هذه الحقيقة، مبيّنًا هذا المعنى.
ثمَّ إن في استشعار المسلم معانيَ التضحية وهو يتفيّأ ظلال هذا العيدِ ويقِف في مواطن الذكريات الأولى لأبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام، وفي تضحية هذا الحاجّ بماله وبراحته وبإيناس أهله وولده وبإلفِ وطنه حافزٌ قوي له على التضحية بأهوائه ونزعاته، وذلك بالانتصار على أحقاده والاستعلاء على خصوماته ونزاعاته التي انساق وراءها، فزيّنت له بُغضَ من أبغض وعداء من عادى والحقدَ عليه والتربُّص به، إذ المال ربما كان أيسرَ ما يُضحَّى به لدى كثير من الناس، غيرَ أنّ التضحيةَ بالأهواء هذه التضحية المتمثلة في الانتصار على الأحقاد وتناسي الخصومات وهجر النزاعات والمشاحنات هي من أشدّ العسر الذي يتكلّفه المسلم ويجاهد نفسَه عليه في هذا العيد، لكن المجاهدة ـ أيها الإخوة ـ يسيرةٌ على من يسّرها الله عليه، وقد وعد سبحانه بكمال المعونة عليها فقال: وَ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ?للَّهَ لَمَعَ ?لْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ، فلتكن أيامُ هذا العيد إذًا فرصةً للتضحية بكلّ ما تجب التضحيةُ به، وذلك بهجره والتجافي عنه، وسببًا لتنمية عواطف الخير في القلوب وتعهّدها بالرعاية تعهّدَ الزارع لزرعه حتى تؤتي أكلَها حُبًّا مطبوعًا غيرَ متكلَّف، وألفةً صادقة بين أبناء الأمة، وتعاونًا وثيقًا على البرّ والتقوى وعلى العمل بما يحبّ الربّ ويرضى، فيتحقَّق عند ذاك المثلُ الذي ضربه رسول الهدى للمودة بين المؤمنين فقال: (( مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )أخرجه مسلم في صحيحه [6] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)