مما يوزن، أما إذا كان مما يباع كيلًا، وهذا هو الذي كان موجودًا في زمن المصنف رحمه الله وكان مشهورًا وإلى عهدنا الآن، فإن الأغلب في النوى أن يباع كيلًا. فحينئذٍ إذا كان يباع كيلًا فإنه يجوز، إذا باعه تمرًا ونوى بنوى، فإن التمر الذي هو ربوي لم يعادله ربوي، وإنما تعادل غير الربوي بغير الربوي، فجاز التفاضل، وعلى هذا يفصل في مسألة التمر والنوى إذا كان ذلك مع التماثل أو مع الاختلاف. وقوله: (ويباع النوى بتمر فيه نوى) وقد ذكرنا ذلك؛ لأنه ليس من جنس الربويات. حكم بيع لبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف قال رحمه الله: [ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف] المسألة من باب ترويض الذهن، وضبط القواعد والأصول، وقبل أن نبحث أي مسألة لابد أن نعرف جنس المبيع، هل هو ربوي أم غير ربوي؟ فاللبن أولًا: هل هو مطعوم أم غير مطعوم؟ هو مطعوم، وثانيًا: هل يباع اللبن كيلًا أو وزنًا أو عددًا أو ذرعًا أو جزافًا؟ الجواب: بالكيل، فيقال: لتر، أو نصف لتر، حتى الكراتين التي تباع في زماننا يكتب عليها: لتر، أو نصف لتر، وحتى الحليب كذلك، إذًا: اللبن يباع كيلًا، ولا يباع وزنًا، والحليب يباع كيلًا وتارة يباع عددًا، كما هو موجود في علب النيدو. وحتى نقرر المسائل ونفهم مراد المصنف هنا: لو كان عندك حليب من الإبل وعندي حليب من الإبل، وأردنا التبادل، فلابد أن يكون مثلًا بمثل، يدًا بيد .. حليب من الغنم بحليب من الغنم، مثلًا بمثل، يدًا بيد .. حليب من البقر بحليب من البقر، مثلًا بمثل، يدًا بيد. وإن اختلفا كحليب بقر بحليب غنم، فما الحكم؟ الجنس واحد وهو أنه حليب، لكن الأصل مختلف كاللحم، فحينئذٍ يجب التقابض، ويجوز التفاضل، ويحرم النسيئة. وبناءً على هذا فالحليب واللبن مكيل. كذلك الصوف يباع وزنًا، وقد يباع جزافًا في بعض الأحيان، لكنه يباع بالوزن، فالصوف يعتبر من جنس الربويات؛ لأنه غير مطعوم، وعلته الوزن، فإذا كان يوزن، أو جرى العرف في وزنه، فحينئذٍ يصبح من الربويات. ولو باع اللبن والصوف بلبن وصوف، فما الحكم؟ نقول: فيه تفصيل: فإن كان اللبن متماثل الأصل؛ كلبن الشاة بلبن الشاة، فيجب التماثل والتقابض، وهكذا الصوف، لكن لو اختلفا؛ كلبن بقر بلبن غنم، جاز التفاضل ووجب التقابض. وبناءً على هذا: فلو اشترى اللبن باللبن والصوف بالصوف، فإنه يجري فيه الربا، لكن لو اشترى اللبن والصوف بشاة ذات لبن وصوف، ومعلوم أن اللبن والصوف في الشاة من جنس الربويات، فإن الصوف يجز من الشاة ثم يوزن، واللبن الموجود يحلب ثم يكال، فمن دقة المصنف رحمه الله حينما ذكر الأصل وهو بيع الربوي بالربوي، ومعهما أو مع أحدهما من غيرهما، قال: لا يجوز، فأراد أن يستثني مسألة التبعية، وهي أن يكون الربوي غير مقصود، وإنما جاء تبعًا، فقصد بشراء الشاة الشاة، ولم يقصد لا لبنها ولا صوفها، فحينئذٍ عاوض الشاة بقيمة اللبن والصوف. فالتبادل لم يقع بين لبن وصوف، مثل أن يبيع الربوي درهمًا بدرهم، أو مدًا بمد، وهذا المد مقصود بالمد، لكن هنا جاء الربوي تبعًا. وقد يقول قائل: ما هذا التنظير؟ وما هذه الأشياء التي يقولها العلماء تبعًا وقصدًا؟ فنقول: الشريعة تفرق بين التبع وبين القصد، وقد يكون الشيء مقصودًا محرمًا لكنه تابع زائد، والدليل على ذلك: أنه لا يجوز بيع النخل والثمر قبل بدو صلاحه، لكن لو اشتريت بستانًا وفيه النخل الذي لم يبدُ صلاحه، وقلت: أشترط أن تكون لي الثمرة، فإنه يصح؛ لأن الثمرة جاءت تبعًا لا قصدًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من باع نخلًا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع) . فإذا اشترطها المبتاع كانت له بالعقد والبيع، فجازت تبعًا ولم تجز استقلالًا؛ لأنه ثبت في الصحيحين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) إذًا: الشريعة تفرّق بين التبع والاستقلال. فمثلًا: رجل توفي والده، وقال: أريد أن أصلي عن والدي العبادات البدنية كالصلاة، فبالإجماع أنه لا يجوز أن يصلي الحي عن الميت، ولا الحي عن الحي؛ بل لا تجوز الصلاة عن أحد إلا في أقوال شاذة وردت، لكن إذا حججت عن الوالد، أو عن قريب توفي ولم يحج، أو اعتمرت عنه، فستضطر لصلاة ركعتي الطواف، لكن هل ركعتا الطواف جاءت أصلًا أم تبعًا؟ الجواب: جاءت تبعًا. فهنا نقول: إذا باع الصوف واللبن بشاة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)