أن يأخذ منه الطعام مؤجلًا، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم تأخير المطعوم مع النقد. فدل على أنه إذا بيع المؤجل وكان أحدهما نقدًا، جاز ولا بأس به، فلو جاء إلى صاحب البقالة، وقال له: سيأتي ولدي كل يوم ويأخذ من عندك أغراضًا فأعطه، وفي آخر الشهر سأعطيك دينك، فقد صار مطعومًا مما يشترى بنقد نسيئة، فالمطعوم الذي هو الطعام الموجود في البقالة، أو الأغراض التي سيشتريها من الطعام، بنقد نسيئة، فصار ولو كان من جنس الربويات، كأن يأتي إلى بائع تمر، ويقول له: ابني كل يوم سيأتي ويأخذ منك صاعًا أو نصف صاع فأعطه، وفي آخر الشهر سوف أحاسبك. فحينئذٍ أخذ الرجل الطعام الذي هو التمر، وقال: إلى آخر الشهر، فصارا ربويين؛ لأن الريالات أصلها فضة، والفرع آخذ حكم أصله، وبالنسبة للطعام الذي يدفع لقاء النقد الموعود به من جنس الربويات، فربوي بربوي، لكن أحدهما نقد، فإذا كان أحدهما نقدًا فإنه يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم أسلف الطعام بالنقد إلى أجل وأباح ذلك. ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله من السلف والخلف على جواز تأخير أحد الربويين إذا كان أحدهما نقدًا والآخر الذي هو الثمن والمثمن نسيئة، لكن لو كانا نقدين فلا يجوز، وهكذا لو كان نقدًا بجنسه أو من جنس الأثمان، كأن يشتري مثلًا كيلو من الذهب بالنقد الذي هو الريالات، فلم يجز، لكن لو اشترى كيلو الذهب بألف صاع من تمر؛ جاز وصح؛ لأنه ثمن لمثمن، وأحدهما الذي هو الأول نقد ولا حرج في تأخيره على ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وجماهير العلماء على أنه يجوز التأخير، ولا بأس بذلك.
إذا تفرق المتبايعان قبل القبض بطل البيع قال رحمه الله: [وإن تفرقا قبل القبض بطل] ، وينبني على هذا أننا قلنا: إنه يحرم ربا النسيئة في الموزونين، والمكيل موزون بموزون ومكيل بمكيل، سواءً اتفقا أو اختلفا، فيرد السؤال: لو أنهما تفرقا قبل القبض؟ قال رحمه الله: (بطل) ، والباطل والفاسد عند جمهور العلماء هو الذي لا يترتب عليه أثر البيع الصحيح، فلا يملك البائع الثمن، ولا يملك المشتري المثمن، إذا كان بيعًا مطلقًا. فالبيع إذا حكمنا بفساده وجب رد الثمن والمثمن إلى البائع والمشتري، ويبطل البيع ويفسخ. وقوله: (بطل) هذا البطلان فيه تفصيل، وسيأتي التفصيل بين أن يبطل في الجميع أو أن يبطل في البعض؛ لأن التأخير في بعض الأحيان يكون من الطرف بجميع النقد، وتارة يكون بجزء النقد، وتارة يكون التأخير من الطرفين، وتارة يكون من أحد الطرفين.
حكم بيع المكيل بالموزون قال رحمه الله: [وإن باع مكيلًا بموزون جاز التفرق قبل القبض والنسأ] ، أي: جاز نسيئة وجاز قبل أن يتقابضا، والمصنف رحمه الله يرجح في علة الذهب والفضة الوزن، وفي علة الطعام الكيل، كما هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، والصحيح أن العلة في الطعام هي الكيل والوزن مع كونه مطعومًا، على ما اختاره شيخ الإسلام، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ويقول بها طائفة من السلف، وقد بينّا دليلنا من حديث معمر بن عبيد الله رضي الله عن الجميع. وقوله: (وإن باع مكيلًا بموزون جاز) ؛ لأنه يرى أن الطعام فيه علة واحدة وهي الكيل، فقال: (مكيلًا بموزون) ، ومعناه: أنه سيبادل ما هو من جنس الربا -الذي هو المكيل إذا كان طعامًا- بما ليس من جنس الربا من مطعوم موزون على ما رجحه؛ لأنه يرجح أن الطعام إذا كان موزونًا لا يجري فيه الربا. وحتى تتضح الصورة هنا أمران نريد بيانهما: الأول: اختار المصنف أن الطعام يجري فيه الربا إذا كان مكيلًا، ومفهوم هذا أنه إذا كان موزونًا أو معدودًا فإنه لا يجري فيه الربا، والموزون مثل: البرتقال والتفاح، فإذا قلت: إن العلة هي الكيل، فمعناه أنه لا يجري إلا في المكيلات، كالتمر، والرز يباع بالصاع، فهو مكيل، ويجري فيه الربا. لكن البرتقال يوزن ويباع أيضًا عددًا بالحبة، أو يباع بالصندوق، فإذا بيع بالعدد أو الوزن لم يجر فيه الربا على قول من يقول: بالكيل، وهذا هو مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع. فبناءً على القول بأن العلة هي الكيل: لو بادل المكيل بالموزون فمعناه: أنه بادل الربوي من المطعوم بالربوي من غير المطعوم، ومعناه: أنه بادل النقد بالمطعوم مثلًا، كذهب ببر، أو ذهب بشعير، أو فضة بتمر، فإن الأول -على ما اختاره
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)