فهرس الكتاب
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحَشَوِيَّةِ اَلَّذِينَ يَقْرَءُونَ آيَاتٍ اَلصِّفَاتِ, وَيَقُولُونَ: نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ, وَنَكِلُ تَفْسِيرَهَا إِلَى اَللَّهِ -تَعَالَى- مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ . فَالِاسْتِوَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوَى } (1) طَه:5 اِسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِذَاتِهِ تَعَالَى لَا نَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ; لَأَنَا إِذَا فَسَّرْنَاهُ بِقَوْلِنَا: اِسْتَوْلَى, نَكُونُ أَخْطَأْنَا; لِأَنَّ مَنِ اِسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْ يَدِهِ قَبْلَ اِسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ, كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ اَلشَّاعِرِ:
قَدِ اِسْتَوْلَى بِشْرٌ عَلَى اَلْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ
وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِشْرًا اِسْتَوْلَى عَلَى اَلْعِرَاقِ, وَاسْتَخْلَصَهَا مِنْ يَدِ غَيْرِهِ, بِدُونِ سَلِّ سَيْفٍ, أَوْ إِرَاقَةِ دَمٍ . وَتَعَالَى اَللَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ اِسْتَوْلَى عَلَى مُلْكِهِ بِهَذِهِ اَلصِّفَةِ, وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي اَلسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَأَشْبَاهِهِمَا: إِنَّ اَللَّهَ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ اَلسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ, وَأَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ اَلْعَزِيزِ بِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ, وَلَكِنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَقِيقَةَ تِلْكَ اَلصِّفَاتِ . وَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا وَنَتْرُكُ عَلَمِهَا إِلَى اَلْمُتَّصِفِ بِهَا ..." (2) "
(1) -"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد"ص 42، 43 .
(2) -"منادمة الأطلال"ص100، 101 .