لم يطب المقام للأستاذ تقي الدين كثيرا في الحجاز، فغادرها إلى الهند مرة أخرى، وكان ذلك بدعوة من (ندوة العلماء) في الهند استدعته للتدريس في كليتها، ولا يزال الدكتور تقي الدين يذكر حتى الآن بعض تلامذته في كلية ندوة العلماء، أن منهم الأستاذ مسعود عالم الندوي مؤلف كتاب الضياء، وعلي أبو الحسن الندوي، والأستاذ ناظم الندوي مدير جامعة (بهاون بول) في باكستان.
الشهادة ـ جواز السفر:
أدرك الأستاذ تقي الدين أن الأدب والعلم لا يمكن أن ينتفع بهما انتفاعا كاملا في الشرق الإسلامي بدون شهادة من جامعة أوربية، وهو يشبه هذه الشهادة بالنسبة للعالم بجواز السفر بالنسبة للمسافر، فقد تكون رجلا معروفا بالفضل والخلق الكريم والبعد عن كل ما يشينك، لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تسافر بدون جواز سفر، إن الأمر كذلك بالنسبة للعالم في الشرق العربي والإسلامي، فالعلم وحده لا يكفي، لا بد من شهادة علمية من جامعة أوربية، ولا بد من جواز مرور.
وبثمانين دينارا فقط، قرر تقي الدين المغامرة مرة أخرى، فسافر إلى جنيف بسويسرا حيث مكث شهرا كاملا في ضيافة المرحوم شكيب أرسلان وكان ذلك سنة 1936.
كان الطالب المغربي ينوي السفر إلى بريطانيا لإتمام دراسته هناك، وكان الذي شجعه على دلك أنه كان قد تعلم اللغة الإنجليزية أثناء مقامه بالهند، لكن الإقامة والدراسة في بريطانيا كانت تتطلب نفقات باهظة لم يكن تقي الدين يتوفر على شيء منها، وأخيرا كتب إلى الأمير عادل أرسلان، وكان هذا الأخير مقيما إذ ذاك ببريطانيا، كتب إليه يسأله:
كم يكلف في بريطانيا القوت الذي يدفع الموت؟
فأجابه الأمير:
-إن القوت الذي يدفع الموت، معناه في هذه البلاد، الموت.