فهرس الكتاب
الإبن الأكبر للإمام جعفر الصادق الإمام السادس عند الشيعة قد توفي في عهد أبيه فانتقلت الإمامة إلى أخيه موسى بن جعفر الإبن الأصغر للصادق، وهذا التغيير في مسار الإمامة التي هي منصب إلهي يسمى بداءًا حصل لله تعالى فإنتقلت الإمامة الإلهية بموجبه من إسماعيل إلى موسى بن جعفر ومن ثمّ إلى أولاده، ولم تأخذ الطريق الطبيعي لها الذي هو إنتقال الإمامة من الأب إلى الإبن الأكبر 0
ولكن السؤال المحيّر هنا: لماذا سمي تغيير مسار الإمامة بداءًا ونسبوا شيئًا كهذه إلى الله لإثبات أمر لم يكن إثباته بحاجة إلى إنتقاص من سلطان الله، الجواب هنا يكمن في تلك الملابسات والظروف التي حصلت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع، فالإمامة عندما تكون إلهية لا تخضع للإنتخاب المباشر، ولا يتغير مسارها بموت الإمام الشرعي، فحينئذ تنتقل الإمامة هذه حسب الناموس الإلهي الذي لا يتغير من الأب إلى الإبن، ولهذا قيلت في الإمامة أنها تكوينية أي لا تخضع لمتغيرات الزمان والمكان، شأنها شأن العلّة والمعلول الذاتيين الذي لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهذا يعني أن الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معيّن بإرادة الله 0
وهذا الصراع الفكري حدث بين الشيعة أنفسهم قبل أن يمتد نحو آفاق أوسع قبيل الغيبة الكبرى مباشرة، وذلك عندما بدأ المذهب الإسماعيلي يظهر على ساحة الأفكار الإسلامية ويُهدّد وحدة الشيعة بالتمزق الداخلي، وكان المذهب الإسماعيلي يرى أن الإمامة الإلهية مستمرة بالصورة التي أرادها الله منذ الأزل، وهي في نسل علي وأولاده حسب التسلسل السيني، وهذا يعني أن الإمام الأب لا سلطة له في تعيين الإمام الذي سيخلفه لأنه معيّن بإرادة الله، فإذا مات الوريث الشرعي الذي هو إسماعيل فلا يحق لأبيه الصادق لأن يعيّن موسى ابنه الأصغر، بل تنتقل الإمامة إلى الإبن الأكبر من ظهر إسماعيل، وبما أن الشيعة تبنت فكرة الإمامة الإلهية بالصورة نفسها، فلكي تخرج من هذا المأزق قالت بفكرة البداء لكي تلقي مسؤولية إنتقال الإمامة من إسماعيل بن جعفر إلى موسى بن جعفر على الله وليس على الإمام الصادق ولتفنيد العقيدة الإسماعيلية 0 وكما يعلم الجميع فإن الإمامة لا زالت مستمرة عند الإسماعيليين حتى هذا اليوم، والإمام عندهم حي حاضر ومن نسل إسماعيل ولم يحيدوا عن هذا المنحنى الفكري الذي أملاه عليهم مذهبهم قيد انملة 0