الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه، وشرفه بالعقل وكرمه، وسخر له جميع ما في الكون ليكون شاكرًا لله على ما أنعمه، مستعملًا لهذه النعم في طاعة واهبها ومسديها، حافظًا لنفسه عما يدنسها ويرديها، أحمده تعالى وهو المحمود، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك المعبود، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد ولد آدم في اليوم المشهود، صاحب المقام المحمود واللواء المعقود، والحوض المورود، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد: فإنه قد تبين لي من خلال بحثي مع بعض الفضلاء الذين يحملون مشعل الدعوة إلى العقيدة، أنَّهم لَم يقتنعوا بتحريم الأغاني، إما لقلة توفر المراجع لديهم، وإما لأن الكتب المؤلفة في هذا الشأن لَم تكن مقنعة إلى حد كبير في نظرهم.
لأن غالب ما يروي في هذا الباب ضعيف، وهم لا يمحصون، أو صحيح غير صريح في نظر هؤلاء وهم به لا يقتنعون.
وقد طلب مني ذلكم الفاضل أن أكتب رسالة في هذا الموضوع وافية بالغرض، مستوعبة للأدلة، مع عزو كل دليل إلى مصدره وكل قول إلى قائله. فاستعنت الله أن يعينني على الإيفاء بما طلب وهو المعين، وأن يجعله سببًا في هداية كثير من الضالين الجاهلين، وإقناع كثير من طلبة العلم القاصرين، إنه ولي التوفيق والقادر عليه، وقد قسمت ما جمعت في هذه العجالة إلى أربعة أبواب:
1.الباب الأول: في الأدلة على تحريمها من القرآن.
2.الباب الثاني: في الأدلة على تحريم الأغاني والمعازف من السنة، وقد التزمت في هذا الباب البحث عن رجال الأسانيد، وجمع أقوال العلماء في ذلك، وشرح ما يحتاج إلى شرح، وأعرضت عن كل ما بلغ ضعفه إلى حد النكارة.
3.الباب الثالث: في الأحاديث الَّتِي استدل بِها من أباح الأغاني والإجابة عن كل شبهة تشبثوا بِها، بما فيه مقنع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى.