قدم عيينة بن مرداس المعروف بابن فسوة [1] على ابن عامر [2] البصرة وهو واليها فأغفل الغلمان أمره، فقال [3] :
كأنّي ونضوي عند باب ابن عامر ... من الصّرّ ذئبا قفرة غرثان [4]
فبتّ وصنّبر [5] الشّتاء يلفّنى ... وقد مسّ برد ساعدي وبناني
فما أوقدوا نارا ولا أحضروا [6] قرى ... ولا اعتذروا من عسرة [7] بلسان
فلمّا بلغ شعره ابن عامر أقسم: «لا يغلق له باب» فكانت أبوابه تبيت مفتوحة.
قال الحكيم: الجود خلقة أثرت [8] عذوبة لذّة الثناء على لذّة المال، وهو من أمّهات المحاسن، ومن الكرم بسبيل خاصّة، وبمكان رفيع من القلوب.
(1) عيينة: بالعين المهملة وياءين ونون، وفي الأصل «قتيبة» وهو خطأ. وابن فسوة: بفتح الفاء وإسكان السين، وهو لقب لهذا الشاعر، وليس لقبا لأبيه. وابن فسوة هذا شاعر قديم مقل، غير معدود في الفحول، مخضرم أدرك الجاهلية والاسلام، هجاء خبيث اللسان بذيء. كما وصفه صاحب الأغاني، وله ترجمة عنده (ج 19ص 146143)
(2) ابن عامر هو: عبد الله بن عامر بن كريز، الجواد المشهور، ولابن فسوة معه قصة أخرى في الاغاني
(3) هذه الابيات الثلاثة نقلها ابن الشجرى في الحماسة (ص 121طبع الهند) ونسبها لأعرابي لم يسمه يهجو عبد الله بن عامر بن كريز. ونقلت أيضا في كتاب مجموعة المعاني المجهول مؤلفه المطبوع في الجوانب (ص 34)
(4) النضو بكسر النون وإسكان الضاد المعجمة الدابة التى أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها.
والصر بكسر الصاد المهمله شدة البرد. والغرث: الجائع. وفي الأصل «دينا» بالدال المهملة والياء والنون، وهو تصحيف، والصواب «ذئبا» مثنى «ذئب» . والشطر الاخير من البيت رواه ابن الشجرى: «من الجوع ذئبا قفرة هلعان»
(5) الصنبر: البرد، وقيل الريح البارد في غيم، وهذا أنسب هنا. وفي ابن الشجري: «وقفت» بدل «فبت»
(6) في ابن الشجرى «ولا عرضوا» .
(7) في الاصل «عن عسرة» وصححناه من ابن الشجري ومجموعة المعاني
(8) يعنى: آثرت وفضلت واختارت. يقال «أثر أن يفعل كذا» بفتح الهمزة من غير مد مع فتح الثاء أو كسرها، و «آثر» بالمد مع فتح الثاء فقط: بمضى فضل وقدم.