فهرس الكتاب
تتنافسُ الأمصارُ فيك فأنت كال ... غيثِ الذي أن حلّ أرضًا تخصب
سعدت بروسةُ فيكمُ فلذا غَدَتْ ... تزهو على كلِّ البلاد وتعجب
كنتَ النظامَ لمصرَ أما بعدكم ... فلها وعمرك حالةٌ لا تُعْجب
فلكَمْ عمرتَ جوامعًا ومساجدًا ... فيها وقد كادت تزولُ وتخرب
وسلكت فيها مسلكًا بالعدل لم ... يسلكه قبلك في القضاةِ مُهَذَّب
وأزلتَ فيها المنكراتِ بهمَّةٍ ... مقرونةٍ بعنايةٍ لا تُغْلَبُ
لا تختشي في الله لومةَ لائم ... أبدًا وتُخُشَى بالاله وَتُرْهَبُ
لم أنسَ في مصرَ العتيقةِ كسر ذا ... ك الخمرَ حيث يجري يسحُ وَيُسْكَبُ
لولا الزيادةُ في الغلو لقليُ كا ... د الخمر للبحر المعظّم يَغُلِيُ
قد شبَّه المملوكُ حالةَ جريه ... فيه بما يحكيه شعرٌ يُعْرَبُ
ما زالت القتلى تمجّ دماءَها ... وتمامه عن علمكم لا يَعْزُبُ
وأصابعُ المقياس كم قد عاينَنَتْ ... منك الأيادي فضلها لا يُحْجَبُ
لم أنسَ فيه لذَةَ العيِش الذي ... مَرَّتْ حلاوتُهُ وزال الطيب
حيث الصَّفا وافٍ ومجلسُ أُنسنا ... صافٍ وحيثُ الوقتُ وقتٌ طيب
والفلكُ تجري في جوانبِ روضةٍ ... طورًا تجيءُ بنا وطورًا تذهب
فكأنما هي جنةٌ من تحتها ال ... أنهار تجري في الرياضِ وتسمب
واللهِ واللهِ العظيمِ وحقِّ مَنْ ... ضمَّت جوارِحَهُ الشريفَة يثرب
ما لذَّ لي من بعدكم عيشٌ ولا ... قلبي يُسَرُّ ولا صفا ليَ مشري
ما يذكر الملوكُ ساعةَ بينكم ... إلاّ ويرسل دمعه يتسكَّب
قد كنتُ من ألم الفراقِ محاذرًا ... في كلِّ وقتٍ خائفًا أترقَّبُ
حتى سقاني الدهرُ من أَلَمِ النوى ... كأسًا مذاقُ الصبرِ منها أطيب
ماذا ولا هذا عجيبٌ إنما ... حالي غدا من كلِّ ذلك أعجبُ
خَلفتموني في الديارِ مضيَّعًا ... صبّاُ عبى فقدِ الأحبةِ أندب
فكأنني في موقفِ الأعراف لا ... أنا بالشآم ولا لمصرِ أنْسَبُ
قد صرت لا من هؤلاء وهؤلاء ... إني لأخشى أن أقولَ مذبذب
لولا رجائي أنَّ أيامَ النوى ... كسحاب صَيْفٍ عن قريبٍ تذهب