فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 74

إلى التسيار، فلم يتفق في تلك الأيام سَفَرُ قافلة أصلا، وكان توجهي بالسرعة إلى القضاء أمرًا مهمًا لا يحتمل تراخيًا ومهلا، فعنَّ لي أن أسافر إلى تلك الديار بحرًا، وكنت أقدّم للسفر رجلًا وأؤخر أخرى، إذا تذكرت قول القائل المشهور،"أحجمتُ وكان عندي من مراكبه نفور"، وأن تيمنت بالآية الكريمةِ أقدمت وسألت الله تعالى تيسيرَ الأمور. فعند ذلك قدَّمت مقدماتِ الاستخارة، واستخرتُ الله تعالى الذي ما خاب من استخاره، فشرح الله تعالى في البحر صدري، وسألته عند ذاك تيسير أمري، وتوجهت من القاهرة المحمية في أوائل المحرم الحرام، وأتيت إلى محميةِ دمياط وأقمتُ فيها لإنتظار سفر المراكب عشرةَ أيام، وعندي إلى الأحباب من شدة الشوق ما يمنعني القرار، ثم اقتحمتُ من فَرْطِ الأشواقِ لجحَ البحار، مع أنني كنتُ أهابُ البحر واستهول أن أركب لججه، أو أصعدَ في أمواجه العالية دَرَجة. وركبت في سفن المحبة يسيّرها هوى الشوقِ المعطّر بعبيرِ شذاها، وتلوتُ متيمّنًا"باسم الله مجراها ومرساها"وسرنا بنيّةٍ خالصة وعزمٍ صحيح، وصرنا نرضىَ من الأيام بالريح فلما كان بتاريخ عشري المحرم الحرام أشرفنا على طرابلس المحمية فأعلنّا بحمد الله سبحانه وشكره وتلونا:"أن يشأ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رواكدَ على ظهره"ودخلنا البلدة المذكورة وتشوَّفنا لها بازدياد، فوجدناها بلدةً لم يُخْلَقْ مثلها في البلاد، وألفيناها مشحونةً ظَرْفا ولطفًا، ونظرنا من محاسنها ما يعجزث عن حصرهِ اللسانُ ولا يستطيع له وَصْفَا، وجعلناها لهذا المطاف ختاما، واقمنا بها يُوَيْمَاتِ بل أيامًا. وكنتُ حال دخولي إلى البلدةِ المذكورة متشوقًا إلى أن أسأله عن أحوال الديار، ومتلفتًا إلى من ينبئني بأخبارٍ تتضمن المسارّ، متمثلًا بقول القائل:

ألا هل أرى مثلي كئيبًا أراسِلُهْ ... يسائلني عن محنتي وأسائِلُهْ

فاتفق أن صادفتُ بها فخرَ الأحباب والأدباء، وقدوةَ أهلِ الدخول والنجباء، سيدي محمد بن الفرّا الدمشقي، وكان أتى صحبة الوالدِ من حماةَ إلى القدموس وأقام معه بها من الزمانِ برهة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت