فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 74

وأتى طرابلس المحميَة بقصدِ السير والنزهة، فاستخبرتُهُ عن الأحوال، وسألتُهُ عنها بالتفصيلِ والإجمال، فكان بخَبَرِ سلامةِ الأحبابِ نعمَ مبشرٍ وبشير، ووجدتُ عنده من كلِّ شيء خبرا"ولا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خبير"فحرَّك ما عندي من سواكن الاشواق، وكادتْ عواملُ المحبةِ تجذبني إلى نحو الديارِ بالأطواق. ثم فارقتُ البلدةَ المذكورةَ في عاشر شهر صفر الخير ولستُ لها قاليًا، ورحلت عنها لا راغبًا عنها ولا ساليًا، ولكن لما قيل:

إذا دنتش المنازلُ زاد شوقي ... ولاسِيَما إذا دَنَتِ الخيامُ

فلمحُ العينِ دون الحي شهرٌ ... ورجعُ الطرفِ دون الشهرِ عام

ثم أتيت إلى محمية القدموس في ثالث عشر الشهر المذكور، وعندي من الشوق إلى الوالد والولد ما لا تحويه السطور، فأنه قد طال مني هذا الاغتراب، وَصَبَّ النوى من أليم هذا الفراق سوطَ عذاب، وقذفتني يدُ البعد عنهم منذ ثلاث سنين ولن ابرحَ الارض حتى يحكم الله بالاجتماع وهو خير الحاكمين:

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنَّانِ كلَّ الظن أن لا تلاقيا

فسجدت لله تعالى شكرًا، وحمدته على هذه النعمة الكبرى. ثم ان سيدي محمد المذكور تخلف بعد الفقير في طرابلس المحمية لقضاء الوطر من التنزه والسير، ووعد ان يجبيءَ الينا بعد عشرة ايام لا غير، فمضى له اربعون يومًا وهو مقيمٌفي البلد المذكور، مستغرقٌ في السير والحبور، فكتبتُ له للمبادرةِ بالمجيء مكاتبةً وجهزتها مع الرسول، وضمَّنتها اشياءَ من مصطلحاهل الدخول. واخترعتُ احد ضربي الاستخدام في لفظ النوى على وجهٍ تشكره الاسماع، واوقعته فيه مع تسمية النوع احسنَ ايقاع، صورتها:

يا من سما في سماءِ اللطف فوقَ سِماَ ... كِ الافقِ محيي ذوي الالبابِ بالطَّرب

نَقَّلْ مقامَكَ ايقاعًا على رَمَلِ ... وان تشأ دارجاَ تسعى على خبب

ينهي سلامًا لا يُحَدّ، وثناء لا يعدّ، ويشرحُ ما عنده من الشوق الذي يعجز عن حصره الطوق، ويشكو من نواك الذي يشكوه سَمْعُ اهلِ الذوق، ويستخدمُ في ابلاغ سلامة اليكم نسيمً الصَّبا، وكلما سار ركبٌ من العشاق هام قَلبُهُ اليكم وصبا، ولم يزلْ يذكرُ انسكم في كلَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت