فهرس الكتاب
وانّ امرءًا في بلدةٍ نصفُ قلبِهِ ... ونصفٌ باخرى انه لصبورُ
وكنتُ في ذلك الحال، اتمثَّلُ بقولِ من قال:
أأحببنا واللهِ مذْ غِبتُ عنكمُ ... سهادي سميري والمدامعُ مدْرارُ
والله ما اخترتُ الفراقَ وانما ... برغمٍ ولي من ذلك الامرِ اعتذار
اذا شامَ برقِ الشامِ طرفي تدافَعَتْ ... سحائبُ جفني والفؤادُ به نار
الا ليت شعري هل يعودن شملنا ... جميعًا وتحويلنا ربوعٌ واقطار
ثم غلبني الشوق، وكاد يجذبني الى احبابها بالطوق، ولله درُّ القائل:
لي نحو ربعكِ دائمًا يا جلَّقُ ... شوقٌ اكادُ به جوىً اتمزّق
اشتاقُ منكِ منازلًا لم انسها ... انَّي وقلبي في ربوعك مُوثَقُ
وقفُ عليك لذا التاسفِوالبكا ... قلبي الاسير ودمعُ عيني المطلق
ادمشقُ لابعدت ديارُكِ عن فتىً ... ابدًا اليكِ فوادُهُ يتشوَّقُ
انفقتُ في ديارك ايامَ الصبا ... حبًّا وذاك اعز شيءٍ ينفق
ورحلتُ عنكِ ولي اليكِ تلفُّتٌ ... ولكلِّ جَمْعٍ صدْعَةٌ وتفرق
فاعتضتُ عن أُنسي بظلكِ وحشةً ... منهاغ وَهي جَلَدي وشابَ المفرق
فلبستُ ثوبَ الشيبِ وهو مُشَهَّرٌ ... ونزعتُ توبَ الشرخِ وهو مُعَتق
ولكم اسكِّنُ عنكِ قلبًا طامعًا ... بوعودِ قربك وهو شوقًا يخفق
ولكم احدّثُ عنكِ من لياقَتُهُ ... وجميعوا من سمع الحديثَ يُصَدِّقُ
فتوجهتُ اليها ودخلتها في ثاني عشري شهر ربيع الاخر، وقرّت العين برؤية احبابها:
كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر
وحللتها وان متشوّف اليها ولا تشوّق المحبّ الى لقاء المحبوب، واقمت بها ايامًا"لا يمسّنا فيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنَا فيها لُغُب"وحمدنا الله تعالى ان احلَّنا دارَ الاحباب، واذهب عنا الحَزَن، وجمع شملنا بهم كروحين في بدن. واغتنمنا مصاحبةَ الاخوانِ ايامًا، وقضينا في خدمتهم لياليَ ما كنت الاَّ احلامًا، مرت لنا معهم بلذيذ المصاحبة والمسامرة، ولم يكن عيبها الاَّ انها متقاصرة: