فهرس الكتاب
ان اليالي للانام مناهلٌ ... تُطْوَى وَتُنْشَرُدونَها الاعمارُ
فقصارهنَّ مع الهمومِ طَويلةٌ ... وطوالهنَّ مع السرورِ قصارُ
واوقفتهم على ما كتبته في رحلتي صحبةً قاضي القضاة جوي زادَة افندي الى القاهرة المحميّة، وما اودعته فيها من الالفاظ الباقلية، فصادفتْ في سوق فصاحتهم نَفاقًا وسعرا، وشرّفوها من انشائهمبتقاريظ نظمًا ونثرا، ساكتب ان شاء الله تلك التقاريظ مع ما كاتبته لبعضها من الجواب في اواخر الرحلة الرومية اذا الت الى التمام، ليكون ذلك اخر ما يعيه السمعُ منها ويصير ذلك لها حُسْنَ الختام.
ثم اني اقمت في دمشق المحمية ايامًا اديت فيها واجبَ الصلة، واقتضى الحالُ التوجَّهَ الى القضاء لننظر المصالحَ بالعجلة. وصرت لعنان العزم الى جهة القضاء ثانيًا، واتيت الى خدمته لا متساهلًا ولا متوانيًا، واستمرَّيْتُ افصلُ الاحكامَ الشرعية على وجه المسدّد الامحكم، الى خامس شهر شعبان المكرم. وكان في اوائل شهر ربيع الاول لما ورد الخبر بانّ مولانا فخر الموالي المتبحرين محيي الدين افندي معلول زادَة ادام الله تعالى فضله زاد اسعاده، تولَّى قضاء العسكر المنصور، حصل لنا غاية الفرح والسرور، وانشدنا:
ورد البشير بما أَقَرَّ الاعينا ... وشفى النفوسَ فنلن غاياتِ المنى
وتقاسم الناسُ المسرَّةَ بينهم ... قسمًا فكان اجلَّهم قسمًا أنا
وكنا ندعو الله بذلك اناء الليل واطراف النهار، لما لنا من سابق المعرفة والعبوديّة مع جنابه لا زال عاليَ المنار، فان قاضي العسكر السابق لم يكن له معرفة بهذا العبد الفقير، بل كان حاله عنده في مقام التنكير. وأمّا مولانا حفظ الله تعالى جنابّهُ الشريف، فالعبدُ عنده في مرتبة الضمائرِ من مراتب التعريف، خصوصًا وقد كان آخر اجتماعه في طريق مصر بخدمته العليّة، صحبه مولانا جوي زادَة افندي في ذلك المجلس الخاصّ الذي ذكرناه في اوائل الرحلة المصرية. وكام العبد يترجّى في زمنه الترقي الى اسنى المراتب، والترفّل في اعلى المناصب. فلما سمعت بتوليته قلتُ لنفسي: هاليلك قد اقمر، وفجرُكِ قد اسفر. وكتبتُ بعد ايام مكاتبة وعبودية الى رفيع جنابه، وارسلتها مجرَّدة