فهرس الكتاب
مع بعِض خواصّ أحبابه، أسأل من تفضلاته تبديلَ منصبي بمنصب هو خير، كما هو المأمول من كرمه حفظه الله تعالى من كلَّ سوءٍ وضَيْر، وكنتُ مترقبًا لما يَرِدُ عليَّ من إحسانه أدام الله تعالى فضائله، وكان بقي لي من المدة العرفية قريب من سنة كاملة. فلما كان خامس شعبان المذكور ورد الخبرُ أنه من غير بَدَلٍ وجَّهَ منصب الفقير لرجلٍ جاهل، ومن حُلَى الفضل والفضائل عاطل. فكنت كما قيل:
رفعت إليه أشتكي الجزمَ في الهوى ... واعربت عن نصبي فوقَّعَ لي الخفضا
وأضحيت منه خائب الآمال، وصار كحال أبي المرقال:
أن الغرابَ وكان يمشي مشيةً ... فيما مضى من سالفِ الآجال
حسد القطاةَ فرامَ يمشي مشيها ... فأصابه ضَرْبٌ من العقّال
فأضلَّ مشيتها وأخطأ مشيهُ ... فلذاك كنيته أبو المرقالِ
فتعجبتُ من هذا الفعل غايةَ العجب، حيث لم يكن لذلك أصلٌ ولا سبب، وصرتُ من هذا الأمر اتعجب، ثم حملته على نظائره من تلقي المخاطب بغير ما يترقَّب. وقضيةُ الحجاجِ مع القبعثري قضيةٌ مشهورة، وعند اهل البلاغة معروفةٌ وغير منكورة. فحينئذ كنت في ذلك الدعاء كالباحث عن حتفه بظلفه، والقاطع مارن أنفه بكفهّ. وظهر لي أني أصبت نفسي بسهمي وبذاتي اوهنت عظمي:
قومي همُ قتلوا أميمَ أخي ... فإذا رميتُ يصيبني سهمي
فلئن عفوتث لاعفونء جللًا ... ولئن جنيتُ لاوهنْ عظمي
وصار منّي ضرري ودائي:
وكان إذن على نفسي دعائي
وكنت كالمتمنى أن يرى قمرًا ... من السماء فلما أن رآه عَمِيْ