فهرس الكتاب
من تنزَّه في فعله عن الاعتراض، وتقدَّس عن المحلِّ في كلِّ حال ومستقبل وماضوتوحَّدَ بقدموس ذاتِهِ وصفاتِهِ عن الشبيه والنظير، وتعالى في ملكه عن العين والظهير، صلّ على سيدنا محمدٍ افصح من نَطَقَ الضاد، وعلى آله وأصحابه الامجاد، ما طلب العاملُ معموله، ورفع الفعلُ فاعله ونصبَ مفعوله. وخلاصتها انه قال صاحبُ القاموس، رحمه الله تعالى وأفاض عليه شآبيب مغفرة تسحُّ وتتوالى: القدموس كعصفور القديم، والملك الضخم والعظيم من الغبل، انتهى. أقول: فعلى هذا يكون القدموسُ من الاعلام الغالبة لانه كان في الاصل لجنس القديم، ثم كثر استعماله لهذه البلدةِ المخصوصة قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص بهِ وصار لكثرة الاستعمال لها عَلَما، كما لا يخفى على ذي الفهم السليم. قال الرضي: ويسمَّى هذا القسم من العلم، العلم الاتفاقي فتكون اللام في مثله لازمة لانه لم يصر علمًا مع اللام، فصارت كبعض حروف ذلك العلم كالنجم والبيت والمدينة حيث ما غلب استعمالها على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. فهي مشابهة اليوم للأمس، ومطابقةٌ لها مطابقةَ الخمس للخمس. وذكرت فيهلا أمورًا اقتضى الشأن أن تذكر لمناسبة المقام والحال رأيت انّ ذكرها ها هنا برمّتها غيرُ مناسب، فان لكلِّ مقامٍ مقال، فكانت الرسالة المذكورة دليلًا قاطعًا لكلامه، وحجّةً قائمة بإسكاته وإلزامه.
ثم غني أقمتُ في دمشق المحمية مدةً وأنا معزول، وحدسَ في فكري التوجهُ إلى استنبول، وكنتُ بين إقدام وإحجام، وترددتُ في هذا الأمر بعضَ أيام، وتشاورتُ مع الأصحاب رفع الله تعالى لهم قدرًا، فمنهم من مال إلى التحذير ومنهم من مال إلى الإغرا، وبعضهم رغَّبني وصوّب رأيي وسدَّد، وبعضهم رهَّبني وأنشد:
يا من غدا في طلاب العلم مجتهدا ... لم يثنه عنه لا مالٌ ولا وَلَدُ
لا تبسطنَّ لتقليدِ القضاءِ يدًا ... أيرتضي رتبةَ التقليدِ مجتهدُ